محمد البهيدل
لا يبدو المشهد داخل أروقة نادي الهلال العظيم اليوم مجرد خلاف عابر على نتيجة مباراة أو تعثر في جولة؛ بل نحن أمام حالة غير مسبوقة من «الاستعصاء الفكري» والانقسام الجماهيري والإعلامي الأعمق في تاريخ النادي الحديث..
انقسامٌ تجاوز تصنيف «الظاهرة العفوية» ليتحول إلى شرخ بنيوي يمس هوية الفريق الفنية، ويضع فلسفة النادي التاريخية في مواجهة مباشرة مع لغة الأرقام الصماء والبراغماتية الإيطالية الصارمة التي يقودها السيد سيميوني إنزاغي..
عقدة «إنزاغي»: بين واقعية المنجز واغتراب الهوية
في قلب هذا الإعصار يقف المدير الفني الإيطالي، سيميوني إنزاغي. وإذا أردنا تفكيك هذا الانقسام حوله، فإننا نقف أمام مدرستين:
المدرسة الأولى: ترى في الرجل منقذاً تكتيكياً رفيع الطراز، نجح في حماية الفريق من الهزائم وصاغ توليفة من الصلابة الدفاعية والالتزام الحديدي..
المدرسة الثانية: وهي الأقرب لروح الهلال التاريخية، ترى أن إنزاغي يمارس نوعاً من «الوصاية الفنية المقيدة» التي سلبت الهلال هيبته الهجومية الكاسحة، وتحول معها «الزعيم» من فريق يفرض سطوته ويمتع أنصاره، إلى فريق يبحث عن «تأمين النتيجة» وإدارة المخاطر بحذر مفرط لا يتناسب مع جينات البطل..
هذا التباين الحاد حوّل الإدارة الهلالية إلى مرمى لسهام النقد؛ بين من يطالبها بتجديد الثقة المطلقة في مشروع إنزاغي المستقر رقمياً، وبين من يرى في صمت الإدارة وتماهيها مع هذا الأسلوب تخلياً غير معلن عن «شخصية الهلال» الهجومية المستقلة..
نجوم الفريق.. الضحايا بين التوظيف والمحاكمة
ولم يكن نجوم الفريق العظيم بمعزل عن هذا الانقسام؛ بل تحولوا إلى مادة دسمة لجدل جماهيري حاد..
إن طريقة التوظيف التكتيكي المجهدة التي يفرضها إنزاغي وضعت أبرز النجوم في قفص الاتهام..
لقد انقسم المدرج الهلالي حول مستويات اللاعبين الفردية: تيار يدافع عنهم بوصفهم ضحايا لمنظومة مقيدة تقتل الإبداع الفردي لحساب الجماعية الصارمة، وتيار آخر يرى في تراجع عطائهم الفني مؤشراً على تشبع عناصري يتطلب ضخ دماء جديدة..
هذا الانقسام حول النجوم يعكس حالة من الحيرة؛ كيف للاعبين يملكون أعلى جودة فنية في القارة أن يظهروا في بعض الفترات وكأنهم مكبلون بأدوار دفاعية وواجبات مركزية جافة؟..
الخداع البصري ونظرية «اللا هزيمة»
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة وعقدة المنشار: سلسلة اللا هزيمة وحيرتها الرقمية..
لقد تسببت الأرقام المحيرة التي يحققها الهلال في نوع من «الخداع البصري»..
الرقم في كرة القدم قد يكذب أحياناً إذا ما عُزل عن السياق الفني، وهو ما يحدث تماماً. الأرقام تقول إن الهلال لا يخسر، لكن العين المجردة والتحليل الفني الرصين يكشفان عن وهن في الأداء، وبطء في التحول، وغياب للمتعة البصرية الشرسة..
إن نظرية «اللا هزيمة» باتت اليوم نظرية غير مرغوبة، بل ومرفوضة في الدهاليز الهلالية..
لقد أدرك المشجع الواعي أن السير في نفق اللا هزيمة المظلم مع أداء باهت هو تأجيل للأزمات وليس حلاً لها. الهلال لا يبحث عن مجرد تفادي الخسارة، بل يبحث عن فرض السطوة؛ وحين تصبح «اللا هزيمة» غاية في حد ذاتها، فإنها تتحول إلى قيد ثقيل يمنع الفريق من المغامرة والإبداع..
الإعلام الهلالي.. مرآة مكسورة ومواقف متباينة
أمام هذا التموج، سقط الإعلام الهلالي بدوره في فخ الانقسام، ففقد قدرته على تقديم قراءة موحدة. انقسمت المنابر والآراء بين:
خط إعلامي «براغماتي»: يتمسك بلغة الأرقام والمكتسبات النقطية، ويعتبر النقد في هذه المرحلة نوعاً من «التنظير الفائض» الذي قد يزعزع استقرار الفريق..
خط إعلامي «تفكيكي نقدي»: غاص في عمق المعطيات الفنية، وقدم تشريحاً حقيقياً لمستويات النجوم، وفكك أسلوب إنزاغي، محذراً من أن هذا الخداع الرقمي سينهار عند أول اختبار حقيقي عالي الرتم..
هذا الانقسام الإعلامي زاد من حيرة الجماهير، وحوّل الفضاء الرقمي و»المساحات» إلى ساحات حرب فكرية بين قراءتين: قراءة السطح الرقمي المطمئن، وقراءة العمق الفني المقلق..
خاتمة: اللحظة التاريخية للمكاشفة
إن الهلال يقف اليوم في مفترق طرق تاريخي، والمسألة تتجاوز بقاء مدرب أو رحيل لاعب. إنها معركة استعادة الهوية الفنية التي ميزت هذا الكيان لعقود..
على الإدارة الهلالية أن تدرك أن الالتفاف حول الأرقام لم يعد ينطلي على جمهور يملك من الوعي والحصافة ما يجعله يفرق جيداً بين «الفريق الذي ينتصر بالصدفة والتكتل»، و»الفريق الذي ينتصر لأنه الهلال»..
لقد حان وقت المكاشفة، فالتاريخ لا يذكر فقط من لم يخسر، بل يخلّد من أمتع، وساد، وقدم كرة قدم تليق بكبرياء هذا الشعار العظيم..
نفحة وفاء.. ومعايدة للوطن والقرّاء
ومع طيّ هذه القراءة التحليلية لشؤون وشجون معشوقتنا المستديرة، لا يمكن لمداد القلم أن يستكين قبل أن يخطّ من مشاعر الود أصدقها..
ومن هذه النافذة الصحفية التي تجمعنا كل أسبوع في «قشعريرة» على ضفاف الوعي والحصافة، يشرفني أن أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام القيادة الرشيدة، وإلى الشعب السعودي الأبيّ العظيم-الذي يثبت في كل المحافل أنه منبع المجد والعطاء - بمناسبة عيد الأضحى المبارك..
كما أخصّ بالتهنئة والامتثال قرّاء صحيفتنا الغراء، الذين هُم بوصلة الحرف ووقود الاستمرار؛ أدام الله على وطننا الشامخ أمنه، وعزّه، وازدهاره، وأعاد الله عليكم هذه الأيام المباركة وأنتم ترفلون بأثواب الصحة، والتألق، والمسرات..
كل عام وأنتم والوطن بألف خير.