وائل العتيبي - الرياض:
في مدينة تعيد كتابة صورتها الثقافية يوميًا بلغة الضوء والعمارة، تقف صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون شاهدًا حيًا على أربعة عقود من التحولات التي خاضتها الحركة التشكيلية السعودية. لم تكن يومًا مجرد قاعة عرض، بل مؤسسة ثقافية حملت على عاتقها مهمة إخراج الفن من الهامش إلى مركز المشهد، ومن العزلة إلى الاعتراف. ومع إعادة إحيائها، عاد الأمل أقوى بأن الذاكرة البصرية السعودية محفوظة ومستمرة.
البدايات.. حين كان المكان شرطًا للاعتراف
تعود جذور الصالة إلى عام 1984 تحت مظلة معهد العاصمة النموذجي بالرياض، وتحديدًا في شارع الملك سعود. في منتصف الثمانينيات كانت الحركة التشكيلية السعودية تخوض معركتها الأولى نحو التأسيس المؤسسي. المعارض نادرة، والفنون البصرية لم تترسخ بعد في الحياة اليومية. جاء تأسيس الصالة بمكرمة ملكية من الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- ليُعيد تعريف علاقة الدولة بالفن التشكيلي.
بدأت باسم «صالة الفنون التشكيلية» قبل أن تُسمّى باسم الأمير فيصل بن فهد -رحمه الله- تقديرًا لدوره في دعم المثقفين والفنانين. خُص للمشروع مساحة 5000 متر مربع ضمن المعهد، فأصبحت أول صالة حكومية متخصصة بالفنون في العاصمة، وفضاءً فتح الباب أمام جيل كامل لعرض أعماله أمام الجمهور للمرة الأولى. كانت الرياض تتشكل عمرانيًا بسرعة، لكنها كانت تحتاج إلى فضاءات تنتج المعنى وتمنح الفن شرعيته الاجتماعية، فكان للصالة ذلك الدور المحوري.
العمارة لغة ثقافية.. من تصميم الزيباق إلى رؤية السديري
ما يمنح الصالة فرادتها ليس تاريخها الثقافي فقط، بل لغتها المعمارية. صمّم المبنى المهندس المعماري عبد العزيز الزيباق بروح الثمانينيات الحداثية، متعدد الأضلاع ومغطى بطوب بلون الرمل تتخلله نوافذ عمودية ضيقة في زوايا الجدران الخارجية. يتكون من طابقين وقبو، يمتد الطابق الأرضي على 700 متر مربع، ويعلوه طابق نصفي يطل عليه ويتصل به بدرجتين متناظرتين من الخرسانة المضلعة.
يطغى على الداخل سقف شبكي من الألومنيوم تنزل منه أنابيب تهوية بيضاء كبيرة، فتحول الفضاء إلى مشهد بصري مفتوح على التجريب. ويحتوي المبنى على درج خدمات إضافي في الخلف، مع غرف الكهرباء والمكاتب الإدارية. كان القبو موقفًا للسيارات قبل أن يُحوّل في السنوات الأخيرة إلى مساحة عمل للفنانين.
وفي 2018 تولت المهندسة المعمارية نجود السديري عملية الترميم تحت إشراف معهد مسك للفنون. لم يكن الترميم إعادة تأهيل هندسي فحسب، بل عملية استعادة لذاكرة كاملة حافظت على هوية المكان مع تجهيزه لاستيعاب تحولات الفن المعاصر من اللوحة التقليدية إلى الفيديو آرت والتركيبات البصرية والفنون الرقمية.
فضاء للتكوين لا للعرض فقط
لا تُقاس أهمية الصالة بعدد المعارض، بل بنوعية اللحظة الثقافية التي صنعتها. عبر جدرانها مرّ رواد الحركة التشكيلية السعودية، وتوثقت تحولات المدارس من الواقعية والتعبيرية إلى التجريد والفنون المفاهيمية. تحولت إلى سجل بصري لتطور الحس الجمالي في المملكة، ونقطة التقاء للفنانين والنقاد والمهتمين في زمن كانت الثقافة البصرية محدودة مقارنة بالشعر والمسرح والأدب.
كثير من التجارب الفنية وجدت شرعيتها الأولى هنا، قبل أن تتحول إلى أسماء مؤثرة في المشهد المحلي والعربي. لم تكن الصالة حاوية محايدة، بل مساحة تكوّن فيها الوعي البصري السعودي منذ لحظاته الأولى، واحتضنت أسئلة الهوية، والحداثة، والمدينة، والإنسان.
دور مسك للفنون: استعادة الذاكرة وبناء المستقبل
مع تسارع التحولات العمرانية والثقافية في الرياض، خفت حضور الصالة تدريجيًا وكادت تتحول إلى ذاكرة منسية. هنا جاء دور معهد مسك للفنون ليعيد كتابة الفصل التالي من الحكاية. لم يكن تدخل المعهد مجرد ترميم، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا لإعادة الاعتبار للأماكن التي صنعت تاريخ الفن السعودي وربطها بحراك معاصر.
في عام 2019 أُعيد افتتاح الصالة بحلة جديدة تحت مظلة مسك للفنون. جاء معرض «حكاية مكان» ليستعرض أرشيف المعارض والوثائق والصور والكتيبات النادرة التي قرأت العقد الأول من تاريخ الحركة التشكيلية السعودية. ومنذ ذلك الحين، تحولت الصالة إلى منصة نشطة للإقامات الفنية، وورش العمل، والجلسات النقدية، والبرامج التي تربط الفن بالفلسفة والمجتمع والتقنية.
امتدادًا لهذا المشروع التوثيقي، أنجز معهد مسك للفنون بالتعاون مع دار أسولين كتابًا مصورًا يوثق صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون كأحد المعالم الثقافية البارزة في المملكة. يقدّم الإصدار محتوى بصريًا غنيًا يصحب القارئ في جولة داخل المبنى، مستعرضًا تاريخه وتحوّلاته، ومثبتًا أن الذاكرة حين تُؤرشف تُصبح مادة للحاضر والمستقبل.
الفن أداة لفهم الذات الجماعية
اليوم تُدار الصالة بوصفها فضاءً للحوار الفكري والأسئلة الثقافية العميقة حول الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية والعلاقة بين الإنسان والمدينة والتقنية. ويبرز هذا التوجه في النسخة الثالثة من سلسلة المعارض الفردية التي أطلقها معهد مسك للفنون، وضمت 71 عملًا لسعد المسعري وفؤاد مغربل.
في «فضاءات فكرية» يعيد المسعري قراءة الزخرفة والهندسة الإسلامية بمنظور معاصر، بينما يأخذ مغربل في «طيبة: أطلال وسلوى» الجمهور إلى المدينة المنورة عبر أعمال تنتقل بين التشخيص والتجريد. هذه المشاريع لا تعرض أعمالًا فنية فقط، بل تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يصبح الفن وسيلة لحفظ الذاكرة وفهم التحولات التي يعيشها المجتمع؟
الرياض تعيد تشكيل صورتها بالفن.. والأمل يتجدد
لا يمكن فصل قصة الصالة عن التحول الثقافي الأوسع الذي تعيشه الرياض. المدينة التي ارتبطت بالإدارة والسياسة والاقتصاد، تعيد تعريف نفسها كعاصمة ثقافية، والفنون فيها جزء من مشروع حضاري يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان والخيال والجمال.
وتقف صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون، بإعادة تشغيلها عبر مسك للفنون، جسرًا بين جيل الرواد الذين أسسوا الحركة بإمكانات محدودة، وجيل جديد ينطلق نحو العالمية بثقة وأدوات متنوعة. إنها دليل عملي على أن المؤسسات الثقافية قادرة على مقاومة النسيان حين تتحول الذاكرة إلى مشروع حي مستمر.
في زمن تتغير فيه المدن بسرعة، يمنح هذا المشروع يقينًا متجددًا بأن الذاكرة البصرية السعودية ليست للعرض فقط، بل للبناء عليها. ومع كل معرض وورشة وإقامة فنية، يصبح الأمل أقوى بأن الفن السعودي وجد بيته الدائم في الرياض.