د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في كل مرة يظهر فيها مشروع جامعي جديد في الساحة، أجد نفسي أتساءل ماهي اضافته الجديدة لمشهد التعليم العالي وماهي خصائص الخريجين لهذه المشروع؟ وعندما طالعتنا الأخبار بموافقة مجلس الوزراء على إنشاء «جامعة المملكة» في الرياض، تبادر إلى ذهني هذا السؤال، هل ستكون جامعة المملكة مشابهة لشقيقاتها من الجامعات الأهلية؟ أم هل ستضع بصمة فريدة لم نشهدها من قبل.
وبحكم خبرتي في القطاع الأكاديمي، واهتمامي بالشأن الجامعي بمختلف أبعاده؛ من تطوير البرامج والمناهج إلى تجربة الطالب وجودة الحياة الجامعية، أزعم أن الكيانات والمشاريع التعليمية الناجحة ماهي إلا المحصلة لمؤسسات تحمل فلسفة ورؤية ونموذج عمل ينعكس أثره على طريقة التعلم، ونوعية الخريجين، وحجم التأثير الذي تتركه المؤسسة داخل المجتمع وسوق العمل.
«تعليم عالٍ بمعايير عالمية.. من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها» هذه هي العبارة التي تستقبل الزائر للموقع الإلكتروني لجامعة المملكة، وهي قد تختصر فلسفتها كجامعة سعودية الهوية، لكن بعقلية أكاديمية عالمية تتجاوز فكرة الجامعة التقليدية في المنطقة، من حرم جامعي ثابت، إلى تجربة تعليمية عالمية متحركة.
وبحسب موقعها الإلكتروني، تشتمل جامعة المملكة على ثلاث كليات رئيسة: إدارة الأعمال، والهندسة، وتقنية المعلومات والاتصالات. ورغم أهمية التخصصات المطروحة في كليتي الهندسة والتقنية، فإن كثيرًا منها يتقاطع مع ما هو متوافر محليًا في عدد من الجامعات الحكومية والأهلية، لكن تخصصات كلية إدارة الأعمال برأيي هي الجواد الرابح بين هذه الكليات؛ لأنها تقدم تخصصات حديثة نسبياً وغير مسبوقة في السياق السعودي، مثل بكالوريوس الذكاء الاصطناعي في الأعمال وبكالوريوس الأعمال في السياحة، وهي برامج قد تمثل الميزة التنافسية الأبرز للجامعة مقارنة بغيرها.
وبحكم ارتباط منظومة المملكة التعليمية بقطاع الأعمال والاستثمار، إضافة إلى حضور اسم شركة المملكة القابضة في المشهد الرياضي، قد يكون من الملائم مستقبلًا مع توسع الجامعة في برامجها التفكير في طرح تخصصات نوعية داخل كلية الأعمال تستفيد من الطفرة الضخمة المرتبطة بالاقتصاد الرياضي الحديث، مثل إدارة الأعمال والفعاليات الرياضية، والاستثمار والتسويق الرياضي، وتحليلات البيانات والأداء الرياضي، خصوصًا مع النمو المتسارع في قطاعات الرياضة والترفيه، واستعداد المملكة لاستضافة كأس العالم 2034. كما أن ميزة الدراسة متعددة المدن العالمية ستمنح الطلاب فرصة نادرة للتدرب داخل أندية واتحادات رياضية وشركات إدارة أحداث عالمية، وهو نموذج لا توفره أي جامعة سعودية اليوم.
غياب الإعلان عن اسم الجامعة العالمية الشريكة حتى الآن يفتح مساحة واسعة للتأمل؛ فالمعلن حتى الآن يحمل بوضوح بصمات التعليم الأمريكي الحديث، سواء في مرونة الدراسة أو فكرة الشهادة المزدوجة أو الربط المباشر بسوق العمل العالمي. والمثير للاهتمام أن الخلفية التعليمية لكل من الأمير الوليد بن طلال والأميرة ريم بنت الوليد مرتبطة بالتعليم الأمريكي، وهو ما قد يفسر جزئيًا الطابع العالمي والمرن الذي يظهر في فلسفة الجامعة وبرامجها، دون أن يعني ذلك بالضرورة الارتباط بمؤسسة أكاديمية محددة. لذلك قد يكون من المتوقع أن تتجه الجامعة مستقبلًا نحو شراكات مع جامعة أمريكية أو أكثر من الجامعات المعروفة بالابتكار والمرونة الأكاديمية، بما يتناسب مع النموذج التعليمي الحديث الذي يبدو أن الجامعة تسعى إلى بنائه، والقادر على مواكبة التحولات المستقبلية المتسارعة في التعليم وسوق العمل.
أيضاً لم تعلن الجامعة حتى الآن عن رسومها الدراسية، لكن بالنظر إلى طبيعة التجربة التي تعد بها: شهادة مزدوجة، ودراسة متعددة المدن، وشراكات عالمية فمن المرجح أن تكون ضمن الشريحة الأعلى في التعليم الأهلي السعودي، وربما أقرب إلى نماذج التعليم الدولي النخبوي. مع احتمالية أن تمنح الجامعة بعض الفرص للطلبة الموهوبين عبر المنح والدعم.
أخيراً، في تصريحها على منصة إكس قالت الأميرة ريم بنت الوليد بأنها تفخر بموافقة مجلس الوزراء على إنشاء جامعة المملكة وتعد بتقديم تجربة تعليمية تواكب المستقبل وتسهم في بناء الإنسان».
لذلك ربما لا تكون «جامعة المملكة» مجرد جامعة جديدة انضمت إلى مشهد التعليم العالي الأهلي، بل بداية لجيل مختلف من الجامعات السعودية؛ جامعات لا تكتفي بمنح الشهادات، بل تسعى إلى صناعة عقلية عالمية قادرة على الحركة بين الثقافات، والتقنيات، والأسواق بثقة وكفاءة.