يحيى جابر
في بيئة إعلامية تتسارع فيها الأخبار خلال أجزاء من ثوانٍ معدودة عبر المنصات الرقمية، لم يعد التواصل مع وسائل الإعلام نشاطًا تشغيليًا مرتبطًا بإصدار بيان صحفي أو الظهور في مقابلة عابرة، أو تلميع صورة مسؤول في مؤسسة، بل أصبح عنصرًا إستراتيجيًا في إدارة السمعة المؤسسية وصناعة الثقة العامة وبناء الإدراك المجتمعي، فالمؤسسات اليوم لا تُقاس فقط بما تنجزه، بل بكيفية شرح إنجازها للجمهور بذكاء ومصداقية لتعزز الموثوقية، وبدون انقطاع، لأن انقطاع التواصل مع وسائل الإعلام يساهم في سلبيات خطيرة على سمعة المؤسسة الناجحة التي خسرت من أجلها الكثير، كذلك بمدى قدرتها على إدارة الأزمات والرسائل في لحظات الإعلامية الحساسة بالذات.
هذا التحول تؤكده نتائج تقرير الأخبار الرقمية لعام 2024 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، والذي أعده الباحثون «نيك نيومان، ريتشارد فليتشر، كريغ تي روبرتسون، آيمي روس أرجويداس، وراسموس كليس نيلسن»، حيث شملت الدراسة أكثر من 95 ألف مشارك في 47 دولة، وكشفت أن 71 في المائة من الجمهور يعتمدون على المنصات الرقمية للأخبار، و65 في المائة يتابعون المقاطع المرئية، بينما تراجعت الثقة بالأخبار عالميًا إلى 40 في المائة فقط، هذا التحول يعني أن الرسالة الإعلامية أصبحت أكثر حساسية، وأن الخطأ فيها لا يُنسى بسهولة في بيئة رقمية دائمة الأرشفة والتداول، وتبرز أهمية هذا الملف كذلك في مؤشر إيدلمان العالمي للثقة لعام 2024 الصادر عن إيدلمان، والذي شمل 32 ألف مشارك في 28 دولة، حيث أوضح أن 76 في المائة من الجمهور يتوقع استجابة سريعة وشفافة أثناء الأزمات، وأن غياب التواصل الفوري يؤدي إلى تراجع حاد في الثقة بالمؤسسات، خصوصًا في المراحل الأولى من الأزمة،
إن جوهر مهارات التواصل مع وسائل الإعلام يبدأ من صياغة الرسالة الإعلامية، وهي القدرة على تحويل المعلومات الإدارية أو الفنية إلى خطاب واضح ومفهوم للجمهور، دراسة بعنوان «الاتصال المؤسسي والثقة العامة» للباحثة «كارين ميلر»، والمنشورة في مجلة إدارة الاتصال عام 2022، أوضحت أن الرسائل التي تتضمن بيانات وأرقامًا موثقة تحقق تفاعلًا أعلى بنسبة 28 في المائة مقارنة بالرسائل العامة غير المدعومة بالمعلومات.
ويمتد هذا المجال إلى إدارة العلاقات الإعلامية، وهو مفهوم أوسع من مجرد التواصل مع الصحفيين، إذ يشمل بناء علاقات مهنية مستمرة مع وسائل الإعلام وتقديم معلومات دقيقة في الوقت المناسب، دراسة بعنوان «العلاقات الإعلامية في ممارسة العلاقات العامة» للباحث جوشوا هاربر والصادرة عن جمعية العلاقات العامة الأمريكية عام 2021، أكدت أن 63 في المائة من الصحفيين يفضلون التعامل مع الجهات التي تقدم معلومات واضحة وسريعة وموثوقة، أما على المستوى النفسي، فإن التواصل الإعلامي الفعال يلعب دورًا مباشرًا في خفض القلق الجماعي أثناء الأزمات، إذ تشير دراسات في علم النفس الإعلامي إلى أن غياب المعلومات الرسمية يزيد من التوتر المجتمعي ويغذي الشائعات، بينما يؤدي وضوح الرسائل الرسمية إلى رفع الشعور بالأمان والاستقرار وتقليل الاستجابات العاطفية المفرطة لدى الجمهور، ومن الناحية الفكرية، يوضح الباحث الكندي «مارشال ماكلوهان»، في كتابه «فهم وسائل الإعلام، امتدادات الإنسان» أن الوسيلة الإعلامية لا تنقل الرسالة فقط، بل تعيد تشكيل طريقة التفكير الجماعي، ما يجعل الإعلام قوة معرفية تؤثر في إدراك المجتمع وتعيد تشكيل وعيه بالقضايا المختلفة، كما يؤكد الباحث الأمريكي «جيمس إي غرونيج»، أن المؤسسات التي تعتمد على الاتصال ثنائي الاتجاه مع الجمهور تحقق سمعة أكثر استقرارًا وثقة أعلى مقارنة بالمؤسسات التي تعتمد على الاتصال الأحادي، في المقابل، فإن سوء التواصل مع وسائل الإعلام قد يؤدي إلى آثار سلبية عميقة، تبدأ من فقدان الثقة المؤسسية، مرورًا بانتشار الشائعات، وصولًا إلى تضخم الأزمات بدل احتوائها، فغياب المعلومة الرسمية أو تأخرها يخلق فراغًا إعلاميًا غالبًا ما تملؤه مصادر غير موثوقة، ما يؤدي إلى تضليل الجمهور وزيادة القلق العام، خصوصًا في الأزمات الصحية أو الاقتصادية أو الأمنية، ويتحمل ذلك المسؤول المباشرة في تلك المؤسسة، كما أن سوء إدارة الرسائل الإعلامية قد يؤدي إلى خسائر سمعة طويلة المدى، وتراجع في ثقة المستثمرين، وضعف في العلاقات المؤسسية، إضافة إلى تأثير نفسي مباشر على الجمهور يتمثل في زيادة التوتر وعدم اليقين، وفي المقابل، فإن التواصل الواضح والسريع والمتوازن يحد من هذه الآثار ويعيد الاستقرار إلى المشهد العام، وتُعد أزمة عقار «تايلينول» التابعة لشركة «جونسون آند جونسون» عام 1982 نموذجًا عالميًا في إدارة الاتصال أثنء الأزمات، حيث بدأت الأزمة بعد وفاة سبعة أشخاص في مدينة شيكاغو نتيجة عبوات ملوثة بمادة السيانيد، ما دفع الشركة إلى سحب أكثر من 31 مليون عبوة من الأسواق الأمريكية، وتكبدت خسائر تجاوزت 100 مليون دولار، إلا أن الشفافية الإعلامية وسرعة الاستجابة أعادت بناء الثقة بها لاحقًا، وأصبحت الحالة تُدرّس في كليات الإدارة حول العالم، وفي السياق العربي، قدمت وزارة الحج والعمرة نموذجًا متقدمًا في إدارة الاتصال الإعلامي خلال مواسم الحج، عبر المؤتمرات الصحفية اليومية والتقارير متعددة اللغات، ما ساهم في إيصال المعلومات بدقة إلى ملايين الحجاج من مختلف دول العالم، وتقليل الشائعات أثناء المواسم، ومن جهة رسمية ذات موثوقية، وفي النهاية، فإن التواصل مع وسائل الإعلام لم يعد مجرد مهارة خطابية، بل أصبح منظومة متكاملة تجمع بين الدقة المعلوماتية، والوعي النفسي، والبعد الفكري، والقدرة على إدارة الإدراك العام، وفي عالم يتشكل فيه الرأي العام بسرعة الضوء، تبقى المؤسسات الأكثر نجاحًا هي تلك التي لا تكتفي بالإنجاز، بل تجيد روايته، وتتحكم في رسالته، وتحافظ على ثقة جمهورها في كل لحظة، وهذا يتطلب قيادات مثقفة ومفكرة ذات تأهيل عالٍ، لذا فمن الواجب على المؤسسات الكبيرة ذات الأهمية، المعنية بسمعتها، أن تدرب القيادات الكبيرة المهمة على هذا المسار الاتصالي الحساس وبشكل متقن، لأن ذلك يتعلق بسمعة المؤسسة والهوية التي دفع من أجلها الملايين.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام