فائز بن سلمان الحمدي
ليست الأعوام الأربعون في حياة الرجال العظام عددًا يُحصى، ولا مددًا تُطوى صفحاتُه في دفاتر الزمن، بل هي أعمارٌ أخرى تُسكب في أوعية المكان، فتغدو نهجًا يُقتدى، وأثرًا يستعصي على النسيان. وحين تمتد الإمارة أربعة عقود كاملة في سيرة فهد بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود، فإن الحديث لا يكون عن مسؤولٍ تعاقبت عليه السنون، بل عن رجل استطاع أن يجعل من القيادة معنىً أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن تكون شأنًا إداريًا أو منصبًا رسميًا.
أربعون عامًا، وتبوك لا تعبر الزمن فحسب، بل تعبر إلى آفاقٍ أرحب من النماء والرسوخ والازدهار؛ كأنما كانت هذه الأرض على موعدٍ مع قائد قرأ تضاريسها بوعي الحكيم، وقرأ الإنسان فيها ببصيرة الأب، فعرف كيف يصوغ من الجغرافيا مشروعًا، ومن الإنسان ركيزة بناء، ومن التنمية رسالةً لا تنتهي عند حدود الإسمنت والطرقات، بل تمتد إلى بناء الكرامة، وترسيخ الطمأنينة، وصناعة الأمل في نفوس الناس.
لقد كان الأمير فهد بن سلطان -على امتداد هذه العقود- صورةً للقائد الذي لا يعلو على الناس بقدر ما يقترب منهم، ولا يحتمي بجدران المنصب بقدر ما يفتح أبواب قلبه للمواطنين. ولذلك، لم يكن حضوره في ذاكرة أبناء تبوك حضورَ مسؤول يؤدي واجبه ثم يمضي، بل حضورَ رجل تشربت صورته تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدا جزءًا من وجدان المكان، ومن الحكايات التي تتناقلها الأجيال بوصفها سيرة وفاءٍ ممتدة.
ولعل من أبلغ ما يكشف فلسفته العميقة في معنى المسؤولية ما وجّه به رؤساء المراكز والمسؤولين خلال إحدى زياراته لمحافظة أملج، حين أطلق كلماته التي تختصر مدرسةً كاملة في الإدارة والقيادة، مؤكدًا أن قيمة المسؤول لا تُقاس بمجرد جلوسه خلف مكتبه من الثامنة صباحًا حتى الثالثة ظهرًا، وإنما تُقاس بقدر اقترابه من الميدان، ونزوله إلى الناس، ومعالجته حاجاتهم بنفسه، ومشاركته لهمومهم مشاركة الصادق الذي يرى في خدمة المواطن شرفًا لا وظيفة.
لم تكن تلك الكلمات عبارةً عابرة تُقال في مقام الخطابة، بل كانت خلاصة تجربة طويلة آمنت بأن الإدارة الحقيقية لا تُدار بالأوراق وحدها، وأن التقارير - مهما بلغت دقتها - تبقى أقل صدقًا من عين ترى معاناة الناس مباشرة، وأقل حياةً من قلب يشعر بنبض المواطن وهو يستمع إليه. ولهذا ظل الأمير فهد بن سلطان يرسّخ معنى «المسؤول الميداني»، المسؤول الذي لا يكتفي بالحضور الوظيفي، بل يجعل من احتياجات الناس بوصلته الأولى، ومن خدمتهم غايته الكبرى.
ومن هنا جاءت فرادة هذه المسيرة؛ إذ لم تكن قائمة على إدارة يومية جامدة، بل على رؤية بعيدة المدى، وحكمة تعرف كيف تستشرف الغد قبل أن يحضر. فقد أدرك سموه مبكرًا أن الأوطان لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما تُبنى بالرؤية المتأنية، والعمل التراكمي، والاستثمار العميق في الإنسان والمكان. ولذلك شهدت منطقة تبوك في عهده تحولات كبرى تجاوزت حدود التنمية التقليدية، حتى أصبحت اليوم واحدةً من أهم مناطق المملكة حضورًا في مشروعات المستقبل، ومجالًا رحبًا للاستثمار والتنمية والسياحة والاقتصاد.
غير أن ما يخلّد الرجال ليس حجم المشروعات وحده، بل الروح التي تُدار بها تلك المشروعات. وهنا تتجلّى القيمة الإنسانية في شخصية الأمير فهد بن سلطان؛ فقد ظل -رغم اتساع المسؤوليات وثقل المنصب- قريبًا من الناس، حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، يُنصت للمواطن البسيط كما يُنصت لكبار المسؤولين، ويعامل الإنسان بما يستحقه من تقدير واحترام، لا بما يحمله من مكانة أو صفة.
كانت حكمته الإدارية تتجلّى في اتزانه العجيب؛ فلا يستفزه الضجيج، ولا تغريه المظاهر، ولا تستعجله اللحظة عن النظر إلى ما بعدها. بل ظل طوال مسيرته مثالًا للقائد الذي يعمل بصمت الواثق، ويؤمن بأن الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى أثره في حياة الناس، لا ما يلمع في العناوين العابرة.
إن أربعين عامًا من الإمارة ليست مناسبة للاحتفاء فحسب، بل هي وقفة أمام تجربة ثرية في القيادة والإنسانية والحكمة؛ تجربة رجل استطاع أن يترك بصمته على المكان كما يترك المطر أثره في الأرض العطشى، وأن يصوغ علاقة نادرة بين القائد والناس، قوامها المحبة والثقة والوفاء.
سيظل اسم الأمير فهد بن سلطان محفورًا في ذاكرة تبوك، لا بوصفه أميرًا مرّ من هنا، بل بوصفه مرحلةً كاملة من تاريخها الحديث؛ مرحلة ارتفعت فيها معاني الخدمة، واتسعت فيها آفاق التنمية، وترسّخت فيها قيمة الإنسان.
فإذا كانت الأوطان تُعرف أحيانًا برجالها، فإن لتبوك في تاريخها الحديث رجلًا لم يكن مجرد أمير يدير شؤون منطقة، بل كان زمنًا كاملًا من الاتزان والهيبة والبناء. أربعون عامًا لم تترك خلفها طرقًا ومشروعات فحسب، بل تركت مدرسةً في القيادة يصعب تكرارها؛ قيادة لا تصنعها المنابر، بل تصنعها الأيام حين تشهد لرجل أنه بقي ثابتًا حيث اضطرب غيره، وحاضرًا حيث غاب كثيرون، وعظيمًا دون أن يتكئ على مظاهر العظمة.
ولهذا لن يُذكر فهد بن سلطان في ذاكرة تبوك بوصفه مسؤولًا مرّ في سجل الإمارة، بل بوصفه أحد أولئك القلائل الذين إذا ذُكروا بدا المكان من بعدهم مختلفًا، وبدا الزمن نفسه وكأنه ينقسم إلى ما قبلهم وما بعدهم.