د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
في كل عام، ومع إشراقة موسم الحج، تتجه أنظار المسلمين إلى المملكة العربية السعودية، حيث أعظم تجمع إيماني يشهده العالم، وحيث ملايين القلوب تهوي إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في رحلةٍ تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتختزل معاني العبودية والوحدة والخضوع لله تعالى.
ومع هذا المشهد المهيب، تظهر -للأسف- أصوات لا تنظر إلى الحج بعين الإنصاف، بل تحاول أن تبحث عن أي لقطة عابرة أو موقف فردي أو خطأ محدود لتبني عليه سردية كاملة تُشوّه هذا النجاح العظيم، وكأنها تتجاهل عمدًا أن إدارة الحج ليست حدثًا اعتياديًا، بل واحدة من أعقد العمليات التنظيمية والإنسانية في العالم.
فالحج لا يُقاس بمقطع مجتزأ، ولا بصورةٍ تُقتطع من سياقها، ولا بشائعةٍ تُبث عبر حساب مجهول، بل يُقاس بحجم المنجز الكلي، وبقدرة الدولة على إدارة ملايين البشر في مساحة محدودة، وأزمنة متقاربة، وتنقلات متداخلة، وخدمات متشعبة، مع المحافظة على الأمن والصحة والانسيابية والخدمة الإنسانية.
ولهذا فإن لغة الأرقام تبقى أصدق من الضجيج، وأقوى من حملات التشويه. حين نرى ملايين الحجاج يؤدون مناسكهم بأمن وطمأنينة، وحين تُدار حركة الحشود بدقة عالية، وحين تعمل المنظومات الصحية والإسعافية والأمنية والخدمية والتقنية على مدار الساعة دون توقف، فإننا أمام نجاحٍ لا يمكن إنكاره إلا بمكابرة.
لقد أصبح الحج اليوم نموذجًا عالميًا متقدمًا في إدارة الحشود والخدمات الذكية، بدءًا من التخطيط المسبق، والتصاريح الإلكترونية، وتنظيم التفويج، واستخدام التقنيات الحديثة، وتطوير البنية التحتية، وصولًا إلى سرعة الاستجابة للحالات الطارئة، والتوسع الهائل في الخدمات الصحية واللوجستية.
وما تحقق لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة رؤيةٍ واضحة، ودعمٍ متواصل، ومتابعةٍ دقيقة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإشرافٍ مباشر واهتمامٍ مستمر من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- حتى أصبحت خدمة ضيوف الرحمن مشروع دولة متكاملًا تُسخَّر له الإمكانات البشرية والتقنية والمالية كافة.
ومن الإنصاف أن يُقال: إن العالم بأسره يعلم صعوبة إدارة حدث يضم ملايين البشر بهذا الحجم والتنوع اللغوي والثقافي والصحي، ومع ذلك تنجح المملكة عامًا بعد عام في تقديم نموذج متقدم يثير الإعجاب، حتى بات كثير من المختصين عالميًا ينظرون إلى تجربة الحج بوصفها مدرسة فريدة في الإدارة والتنظيم وإدارة الأزمات.
لكن المزعج لمروجي الشائعات أن هذا النجاح لم يعد قابلًا للإخفاء؛ فكل حاج يعود شاهدًا حيًا على ما رآه من تنظيم وخدمة وعناية، وكل رقم يُعلن عن أعداد الحجاج، والخدمات الصحية، وساعات العمل، والطواقم المشاركة، والمشروعات التطويرية، يُسقط تلقائيًا عشرات الروايات المضللة التي تُبنى على التهويل والانتقاء.
ومن المؤسف أن بعض الناس أصبح أسيرًا للمشهد السلبي النادر، يضخمه ويعيد نشره، بينما يتجاوز آلاف الصور المشرقة التي تتكرر كل يوم في الحج؛ من ابتسامة رجل أمن، إلى عناية مسعف، إلى جهود المتطوعين، إلى خدماتٍ تُقدم للحجاج بلغات متعددة، إلى أعمالٍ ضخمة تُنفذ بصمت بعيدًا عن الأضواء.
إن النقد الموضوعي مطلب مهم، والكمال ليس للبشر، وأي مشروع بشري بهذا الحجم لا بد أن توجد فيه ملاحظات تحتاج إلى تطوير، لكن الفرق كبير بين نقدٍ يُراد به الإصلاح، وبين خطابٍ يتغذى على التشويه، ويتعامل مع النجاحات بعينٍ عمياء، ولا يرى إلا ما يخدم فكرته المسبقة.
وسيظل الحج شاهدًا متجددًا على المكانة العظيمة التي تتشرف بها هذه البلاد في خدمة الإسلام والمسلمين، وستبقى المملكة بإذن الله- تبذل أقصى ما تستطيع لخدمة ضيوف الرحمن، مدفوعة بعقيدةٍ راسخة، ومسؤوليةٍ تاريخية، وشرفٍ عظيم تتوارثه القيادة جيلاً بعد جيل.
أما الشائعات، فمصيرها إلى الزوال، لأن الواقع أكبر منها، ولأن الحقيقة التي يراها الملايين بأعينهم كل عام لا يمكن أن تهزمها تغريدة عابرة، أو مقطع مجتزأ، أو حملة مؤقتة.