د. إبراهيم بن جلال فضلون
حينما تلتقي هيبة المكان بعظمة الزمان، يتجلى المشهد المهيب في مكة المكرمة؛ حيث تذوب الحشود في نهرٍ من الطمأنينة، وتحت سماءٍ يحرسها رجالٌ نذروا أنفسهم لخدمة ضيوف الرحمن، فغدا الأمن في الحج عنواناً للسيادة والريادة، وإذا كانت الأمم تُقاس بعظمة رسالتها، فإن خدمة الحرمين الشريفين هي أعظم رسالة حملتها دولة في العصر الحديث، فالحج وعاء فني، مشاعره الروحانية فياضة، تحمل القيم الجمالية التي تتسع لكافة المعاني الإنسانية، منزهة بين العبد وخالقه، وهو ليس مجرد عبادة موسمية، بل مؤتمر إيماني عالمي تتجسد فيه وحدة الأمة الإسلامية. فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وهي منزلة عظيمة جعلت المسلمين عبر القرون يتشوقون إلى هذه الرحلة المقدسة رغم مشقتها.
نعمة عبر التاريخ
ولله الحمد والمنة، أنعم الله على السعودية منذ توحيد المملكة على يد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، بأن ارتبط اسمها -لا غيرها- بخدمة الإسلام والمسلمين، وأصبحت رعاية الحرمين الشريفين شرفاً تاريخياً ومسؤولية حضارية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وفي كل عام، يشهد العالم أعظم تجمع بشري سلمي مُنظم على وجه الأرض؛ يقف على مساحته ملايين البشر يأتون من مختلف القارات والأعراق واللغات ليجتمعوا في بقعة واحدة، ضمن منظومة دقيقة تُدار بكفاءة استثنائية.
وعبر التاريخ، كانت إدارة الحج من أعظم التحديات التي واجهت الدول الإسلامية، وكانت سقاية الحاج ورفادته شرفاً تتنافس عليه القبائل والدول، إلا أن المفهوم الحديث لرعاية الحجيج قد انتقل في ظل الدولة السعودية من مجرد توفير الكفاف من الماء والغذاء، إلى هندسة بشرية بإدارته في رقعة جغرافية محدودة وفي وقت زمني وجيز، ليكون معجزة لوجستية وأمنية بكل المقاييس العلمية الحديثة، بسبب ضخامة الأعداد وصعوبة التنقل ومخاطر الأوبئة والتدافع.
أمن الحج.. خط أحمر
لقد أتوا بأرواحهم لطريق النور الإلهي، وهم يلبون نداء ربهم تحت أشعة الشمس الحارقة، والمشاق التي كان الأوائل يعانونها، وما يهون عليهم طريق الحج قديما بالدواب، وصولا لبيت الله الحرام في أفواج كبيرة لا يمكن إدارتها إلا خبرات تحمل في قلوبها روحانية الضيافة الخلاقة، لضيوف الرحمن الكرام، فتتحرك الحكومة الرشيدة في تنظيم الحج من منطلق مركزية «أمن الحج خط أحمر»، كضرورة مقاصدية لحفظ النفس والدين؛ وهي من كليات الشريعة الإسلامية الخمس. فالحزم في تطبيق الأنظمة الأمنية، ومنع الشعارات السياسية أو المظاهر الحزبية، يهدف إلى إبقاء الحج خالصاً لوجه الله تعالى، وحماية الحجاج من أي تدافع أو فوضى قد تودي بالأرواح.
وقد جاء في الأثر المستند إلى القواعد الشرعية أن «دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وحفظ أرواح ملايين الحجاج يقتضي منع أي تجاوزات فردية أو جماعية تخل بالنظام العام للموسم، فلا يشرع للحاج أن يعرض نفسه للخطر والإذلال، وقد صدحت الكلمات والحناجر مراراً وتكراراً أن أمن الوطن خط أحمر، وأمن وسلامة ضيوف الرحمن خط أحمر، وأمن المشاعر خط أحمر، فوا عجباً لمن يمم شطر مكة مُتخفياً، يحسب بأوهامِهِ أنه سينال الغفران بمسالك الخديعة، فما كان تحايله إلا كحيلة الحبارى في مَكْمنِها؛ تظنُّ ببلادتِها أنها قد توارت عن الأبصار، بينما عين الله ترى خطيئتها من عل.
حج غير مقبول
إن الحج الذي تُغفر به الذنوب وتكفر به السيئات هو الحج المبرور، لم يرفث فيه صاحبه ولم يفسق.. ومن جملة ذلك الفسق هو الإصرار على المعصية وعدم التوبة، التي من شروطها، أداء حقوق الله الفائتة كالزكاة وغيرها، فضلاً عن قضاء حقوق العباد والاستحلال من مظالمهم، فهذا لا بد منه، إنهم محتالو الدين والنظام، وقد قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى: الحج المبرور يكفر ما عدا تبعات الآدميين، كما حكى بعضهم الإجماع على هذا الاستثناء.. وهو بالإجماع هذا الحج غير مقبول ومردود على صاحبه يوم القيامة، وقد قال العلامة ابن نجيم الحنفي: «وَيَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ نَفَقَةٍ حَلَالٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ بِالنَّفَقَةِ الْحَرَامِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ مَعَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ سُقُوطِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ فَلَا يُثَابُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ وَلَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ عِقَابَ تَارِكِ الْحَجِّ»، وقال مفتي الديار المصري السابق الدكتور على جُمعة: «إذا أدى الحاجُّ حجَّه مكتمل الأركان والشروط فقد سقطت عنه فريضة الحج؛ لكن حجه غير مقبول».
رسالة إنسانية
وراء هذا البناء التقني الهائل، تقف «الرسالة الإنسانية» لرجال الأمن جميعاً والحرم المكي والمشاعر المقدسة كأجمل تجسيد لروح الإسلام. في مشهد مهيب نترقبه كأعيادنا كل عام وتتناقلها وسائل الإعلام لرجال الأمن وهم يحملون الأطفال، ويرشون الماء البارد على وجوه الحجاج في هجير مكة، ويقودون كبار السن والعجزة بكل عطف وصبر، هي الدليل العملي على أن الأمن في الإسلام رحمة وإنسانية قبل أن يكون انضباطاً وحزماً. إنهم يجمعون بين كفاءة العسكري المحترف، وقلب الابن البار بوالديه، في صورة تبرز للعالم الوجه المشرق للمملكة العربية السعودية وأبنائها، كما أن هذا النجاح يبعث برسالة أمان لملايين المسلمين في شتى بقاع الأرض، مؤكداً أن مقدساتهم في أيدٍ أمينة. كما يعكس التطور الحضاري للمواطن السعودي القادر على التعامل مع ثقافات وخلفيات متنوعة بمهنية واحترافية عالية، وعلينا كإعلام وإعلاميين أن نبرز دور هؤلاء الأبطال فهم سفراء الحرمين، ويجب تسليط الضوء على جهودهم الجبارة وإبراز هذا النموذج السعودي الشاب والمثقف بما يُعزز الصورة الإيجابية للمملكة كقائدة للعالم الإسلامي، ويظهر للعالم حجم الاستثمار البشري في بناء إنسان يتقن فنون الخدمة والأمن معاً.
وقفة
يبقى الحج شاهدًا على قدرة الإسلام العظيمة في صهر الفوارق، وتبقى جهود المملكة العربية السعودية منارةً مضيئة في تاريخ خدمة الحرمين الشريفين، تؤكد يوماً بعد يوم أن خدمة ضيوف الرحمن شرفٌ لا يدانيه شرف، وأمانةٌ تُحفظ بالدم والعرق والتقنية، فنجاح موسم الحج في كل عام ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة تخطيط استراتيجي عميق، وعمل دؤوب ينطلق فور انتهاء الموسم السابق. والدعوة موجهة اليوم لكل قاصدٍ لبيت الله الحرام أن يكون شريكاً في هذا النجاح، عبر الالتزام الصارم بالتعليمات، ليعود إلى أهله بحجٍ مبرور، وسعيٍ مشكور، وذنبٍ مغفور. وكما قال شاعرنا المُتنبي: شَرَفُ المَكَانِ بِمَن حَوَاهُ.. فحفظ الله حماة الحرمين، وأدام على المملكة عزها وأمنها، لتبقى دائماً منارة للأمن والإحسان.