مشعل الحارثي
الأضحية بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء، هي اسمٌ لِمَا يُضَحَّى به، أي: يُذبَحُ أيَّامَ عيدِ الأضحى، من بهيمةِ الأنعامِ (الإبل والبقر والغنم) بدءًا من يوم العيد إلى آخر أيَّامِ التَّشريقِ الثلاثة تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى وطاعة وشكرا على أنعمه العديدة، وإحياء لسُنَّةِ أبو الأنبياء إبراهيمَ الخليلِ عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين أمَرَه الله عزَّ وجل بذَبحِ الفِداءِ عن ولَدِه إسماعيلَ عليه الصَّلاة والسَّلامُ في يومِ النَّحرِ، والحكمة في ذلك لكي يتذكَّرَ المؤمِنُ أنَّ صَبرَ إبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما السَّلامُ- وإيثارَهما طاعةَ اللهِ ومحَبَّتَه على محبَّةِ النَّفْسِ والولدِ كانا سبَبَ الفِداءِ ورَفْعِ البلاءِ، فإذا تذَكَّرَ المؤمِنُ ذلك اقتدى بهما في الصَّبرِ على طاعةِ الله.
وشرعت الأضحية في السنة الثانية من الهجرة ودليل شرعيتها ما جاء في قوله تبارك وتعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، والمراد من كلمة وانحر حسب أئمة التفسير ذبح الأضحية، وقد سبقها كلمة (فصل) وتدل على أن الذبح يشرع بعد صلاة العيد.
والأضحية كالهدي فيما يذبح من النعم ولها سنن معينة، ففي حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تذبحوا إلا المسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)، والمسنة هنا ليست من الأسنان بمعنى الكبر، إنما هي في الأنعام ما سقطت ثنيته بعد طلوعها، وما سقطت ثنيته فهو ثني على وزن فعيل، ومؤنثه: ثنية، يقول الإمام الأزهري في معجمه «تهذيب اللغة»: البعير إذا استكمل الخامسة وطعن السادسة فهو ثني، وهو أدنى ما يجوز من سن الإبل في الأضاحي والغنم.
وقال بعض العلماء: المسنة: الثنية من كل شيء من الإبل والبقر، واختلف في سن الثني، فالثني من الإبل ما أكمل خمس سنين، والبقر سنتين، والضأن والمعز سنة، أما الجذع: بفتح الجيم والذال وكذلك الجذعة فهو قبل الثني، وتجوز التضحية به سواء وجد الثني أو لم يوجد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الجذع يوفى مما توفى منه الثنية، والذكر والأنثى في الأضحية سواء، والأحسن: الذكر، لأن لحمه ألذ وإبقاء الأنثى يكثر النسل، ولهذا فكثير من الدول لا يذبحون الأنثى من الأنعام بهدف المحافظة على الثروة الحيوانية وإنمائها وزيادة الإنجاب، ونظام الثروة الحيوانية في المملكة العربية السعودية ينص على عدم ذبح الإناث إلا لأسباب وجيهة مثل العقم ويجب الحصول على إذن لذبح الإناث من أي فرع من فروع وزارة الزراعة.
وللأضحية شروط ومواصفات ظاهرة، وضوابط شرعية يجب على كل من أراد أن يضحي مراعاتها والالتزام بها وهي كما حددتها إدارة الثروة الحيوانية بوزارة البيئة والمياه والزراعة تتمثل في المواصفات التالية: أن يكون الحيوان سليما ظاهرياً لائقا صحيا، فيكون الشعر أو الصوف سليما وغير متساقط أو سهل الانتزاع في بعض أجزائه، ومنتشراً على جميع الحيوانات بانتظام، حيث أن نزع الصوف والشعر بسهولة يفيد بأن الحيوان مصاب بالهزال أو الطفيليات ويجب التأكد من عدم وجود آثار إسهال بحيث يكون روث الحيوان متماسكاً وعلى هيئة كرات صغيرة في الأغنام، وليس ليناً أو مائياً وليس يابساً خشناً وألا يكون الحيوان هزيلاً، ألمس الظهر فكلما أحسست ببروز العظام كلما كان الحيوان هزيلا.
ويجب أن يكون الأنف نظيفاً ورطباً، ولا يوجد به آثار إفرازات، أو أي تقرحات، وكذلك الفم: يجب ألا يكون به جروح أو أورام بالشفاه، أما العيون فيجب أن تكون صافية ولا يوجد بها عمى أو التهابات أو احمرار، وكذلك عدم وجود إفرازات دمعية مائية أو صديدية، وأن تكون أرجل الحيوان سليمة وليس بها كسور أو جروح أو خراريج أو (ظلوع) بمعنى العرج الواضح، وأيضا يجب أن تكون الأسنان سليمة حسب العمر وجميعها لبنية صغيرة الحجم، وألا تكون هناك تقرحات باللثة أو اللسان أو وجود تجمعات لعابية وفقاعات خارج الفم.
إن الأضحية تُعد رمزًا للتضحية والإيثار، وتعليمًا عمليًا للمسلمين على بذل المال في سبيل الله وإطعام الفقراء والمحتاجين، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويشعر الفرد بمسؤوليته تجاه المجتمع، كما أنها تُعتبر وسيلة لتزكية النفس وتعليم المسلم معاني البذل والعطاء والتُذكير بفضل الله ونعمه المتعددة، وتُعزز من قيم الإيثار والتعاون داخل المجتمع، كما أن توزيع لحم الأضحية يسهم في إدخال الفرحة والسرور على قلوب الفقراء والمحتاجين، ويجعل من عيد الأضحى فرصة للتكافل الاجتماعي ونشر المحبة بين الناس.