عبدالعزيز محمد السعد العجلان
ما أجمل أن يحظى الإنسان بمحبة الناس دون انتظار مقابل، والأجمل من ذلك أن يمتد أثره في القلوب بعد رحيله، فيبقى عمره الحقيقي أطول من عمره في الدنيا، لقد رحل عنا الوجيه الشيخ محمد بن سعد بن ماجد المهنا، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، فرحل الجسد وبقيت المآثر، وغاب الشخص وحضرت الذكرى العطرة.
عذراً أبا عبد الله، إن عجزت الكلمات عن التعبير، وضاقت الحروف عن وصف مشاعر المحبة والتقدير التي يكنها لك كل من عرفك، فقد كنت رجلاً اجتمعت فيه خصالا قلّ إن تجتمع في شخص واحد؛ من الوفاء والصدق والتواضع والورع وطيب المعشر وحسن الخلق.
كان رحمه الله شخصية تنبض بالمحبة والطمأنينة، لا يفرّق بين صغير وكبير، ولا بين مسؤول وعامة الناس، ومنذ اللقاء الأول يجد الإنسان نفسه مرتاحاً إليه، قريباً من روحه، مأخوذاً ببشاشته وصدقه، وقد جمعتني به مشاعر محبة واحترام وتقدير من نوع خاص، أساسها المحبة في الله، وزادها رسوخاً ما كنا نراه ونسمعه عنه من مواقف نبيلة، وخصال حميدة، مع أقاربه ومعارفه وكل من تعامل معه.
حدثني أحد معارفه قائلاً: عند افتتاح الصندوق العقاري، كان رحمه الله سبباً في تمكين كثير من الناس من امتلاك مساكنهم، فكان يبيع الأرض لمن أراد البناء، فمن استطاع الدفع دفع، ومن لم يستطع أمهله وأجّل عليه السداد، ويقول لهم: «الأهم أن تحصل على القرض وتبني بيتك وتسكنه، ثم سدد ما عليك بعد ذلك»، كانت هذه المواقف تنبع من قلب كريم لا يعرف إلا الإحسان.
لقد بنى أبو عبد الله رحمه الله سمعة طيبة لا تُشترى بالمال، وإنما تُبنى بالسماحة والبشاشة والعطاء والوفاء وصفاء النية، وكانت الأسرة أول ميدان تجلت فيه هذه القيم، ثم امتدت إلى محيطه الاجتماعي وكل من عرفه وتعامل معه، فقد كان رجلاً عصامياً محباً للخير، يزرع طوال حياته بذور الكرم والعطاء والمحبة والوفاء، ويغرس قيم الانتماء للوطن والوفاء لولاة الأمر، يفعل ذلك بعفوية وإخلاص، لا طلباً لثناء ولا سعياً إلى شهرة، وإنما خُلقاً أصيلاً وهبة من الله سبحانه وتعالى.
وليس ذلك بغريب على أسرة المهنا الكريمة، تلك الأسرة المباركة التي عُرفت بالدين والعلم والكرم والأخلاق الحميدة، وكانت مثالاً يحتذى بين الأسر، ولم أزره أو يزرني إلا وكان لسانه رطباً بذكر الله، يلهج بالتهليل والتسبيح بين الحين والآخر، وكان في مسجده بعد كل صلاة يترقب فرصة لاستضافة ضيف أو إكرام عابر سبيل، فإن رأى وجهاً جديداً دعاه إلى مجلسه وأكرمه، وكأن الكرم جزء من طبيعته لا يتكلفه ولا يتصنعه.
وقد حصد رحمه الله ثمار ما زرع في حياته من خير، فنال مكانة رفيعة في المجتمع ومحبة صادقة في قلوب الناس، ورزقه الله ذرية صالحة تحمل اسمه وتسير على نهجه، ومن أعظم الشواهد على ذلك أن الذي أمّ المصلين على جنازته في مسجده الجامع بحي القيروان بمدينة الرياض، هو ابنه فضيلة الشيخ سعد بن محمد بن سعد بن ماجد المهنا، رئيس محاكم المنطقة الشرقية سابقاً.
أما الزهور الأجمل والأبقى، الأكثر عبقا وعطرا وعبير فهي تلك الأعمال الصالحة التي نرجو أن تكون مدخرة له عند الله تعالى، وأن يجد ثوابها في ميزان حسناته يوم يلقى ربه، بما قدم من خير وإحسان وعطاء للناس.
رحمك الله يا أبا عبد الله رحمة واسعة، فقد تركت فراغاً لا يملئه أحد، ستفتقدك المجالس والوجوه والقلوب، وسيعتصرنا الحنين كلما زرنا مجلسك، فلم نجد ذلك الوجه المشرق المحبوب، لكن عزاءنا أنك تركت ذكراً حسناً وسيرة عطرة وأثراً طيباً لا يزول.
وقبل الختام وفي خضم هذه المشاعر جادت قريحتي بهذا البيت:
«رجل يمشي على الثرى ميت
نفسه تقوده للردى والبلاهه
ورجل تحت الثرى فعله مبيت
عمراً جديداً صفو النوايا سماحه
ختاماً: نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يغفر لك ويرحمك، وأن يرفع درجاتك في عليين، وأن يجمعك بمن تحب في الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يلحقنا ووالدينا وجميع المسلمين بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
وعزائي إلى أبنائه وبناته وزوجته وكافة أسرة المهنا وإلى جميع أقاربه ومحبيه، وعظم الله أجر الجميع.
والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
وداعاً أبا عبدالله... و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.