فيصل الحمود المالك الصباح
في التاسع والعشرين من مايو من كل عام تتوقف بي الذاكرة طويلاً أمام محطة لا تشبه أي محطة أخرى في حياتي، ذكرى رحيل والدي المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ حمود الفيصل المالك الصباح -طيب الله ثراه وعطر ذكراه- ذلك الرجل الذي لم يكن بالنسبة لي أباً فقط بل كان مدرسةً كاملة في الأخلاق والقيم والإنسانية، وكان السند الأول والمعلم الذي تعلّمت منه معنى الرجولة الحقيقية والوفاء واحترام الناس وحب الوطن.
تمر الأعوام وتتغير الأيام لكن هناك وجوهاً تبقى محفورة في الروح لا يغيب حضورها مهما طال الغياب، لأن بعض الرجال لا يرحلون فعلاً بل يبقون في تفاصيل حياتنا وفي كل موقف نتذكر فيه نصيحة أو دعاء أو كلمة صادقة خرجت من قلبٍ كان مليئاً بالمحبة والخير.
لقد كان والدي -رحمه الله- مثالاً للرجل الكويتي الأصيل يحمل في قلبه محبة الناس وفي أخلاقه التواضع وفي مواقفه الشهامة والكرم.
تعلّمت منه أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك بل بما يتركه من أثر طيب في قلوب الآخرين، وأن الاحترام الحقيقي يُكتسب بالأخلاق والصدق وحسن التعامل.
كان -رحمه الله- قريباً من الجميع حريصاً على صلة الرحم وعلى الوقوف مع الناس في أفراحهم وأزماتهم، لا يتأخر عن واجب ولا يبحث عن مقابل وكان يؤمن دائماً أن أجمل ما يتركه الإنسان بعده هو السيرة الطيبة والدعوة الصادقة.
ورغم مرور السنوات على رحيله ما زلت أستشعر حضوره في حياتي كل يوم في المواقف وفي طريقة التعامل مع الناس وفي المبادئ التي تربّيت عليها منذ الصغر، وما أحوج الإنسان دائماً إلى دعوة صادقة من والديه وإلى ذكرى تبعث داخله القوة والثبات مهما تقدم به العمر.
إن فقد الأب وجع لا يزول لأن الأب ليس مجرد فرد في العائلة بل هو الأمان والهيبة والسند الذي تشعر بقيمته أكثر كلما مر الزمن، لكن عزاءنا الدائم أن الرجال أصحاب القيم والمواقف لا تنتهي سيرتهم برحيلهم بل تبقى حاضرة بما غرسوه في أبنائهم ومحبيهم من مبادئ وأخلاق.
وفي هذه الذكرى لا أملك إلا أن أرفع أكف الدعاء إلى الله -عز وجل- أن يتغمد والدي بواسع رحمته ومغفرته وأن يسكنه فسيح جناته وأن يجزيه عنا وعن كل من عرفه خير الجزاء، فقد كان نعم الأب ونعم الإنسان وصاحب القلب الكبير الذي عرفه الجميع بالمحبة والاحترام.
رحمك الله يا والدي وستبقى ذكراك في القلب ما حييت، وسيبقى اسمك مرتبطاً بكل معنى جميل تعلمناه منك وكل قيمة نبيلة غرستها فينا وكل دعوة صادقة نرجو أن تصلك في دار الحق والخلود.