علي الخزيم
من أشهر وأرق قصائد رثاء الزوجات والأزواج قصيدة النَّجدِي (أَبُو حَزْرَةَ - أو هو حَرَزَه - جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ اَلتَّمِيمِيُّ)؛ فقد غالبه الأسى والحزن على فراق جميلته وحبيبته الوفيَّة له زوجته (خالدة) وأعلن صراحة بَوحَه ودموعه على فقدها رغم نقد المُحِيطين به مِمَّن يرون العيب بالبكاء على فقد النساء؛ كبقايا موروث قَبَلِي ببعض بقاع صحراء العرب، وهذا سِر تَفرُّغ النصف الثاني من قصيدته الشهيرة (لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبارُ) لهجاء من لاموه على هذا الاستعبار؛ ومنهم الفرزدق الذي ناله بالقصيدة ما ناله من جُمل وكلمات أسَّس لها حُزن جرير على أم حَرَزة وعَيبهم له على دموعه ولوعته بفقدها؛ ومما قال:
لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبارُ
وَلَزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ
وَلَقَد أَراكِ كُسيتِ أَجمَلَ مَنظَرٍ
وَمَعَ الجَمالِ سَكينَةٌ وَوَقارُ
صَلّى المَلائِكَةُ الَّذينَ تُخُيُّروا
وَالصالِحونَ عَلَيكِ وَالأَبرارُ.
ويلوم الفرزدق بقوله:
(أَفَأُمَّ حَزرَةَ يا فَرَزدَقُ عِبتُم
غَضِبَ المَليكُ عَلَيكُمُ القَهّارُ)
ومن روائع الأدب العربي فيما عَبَّر به العُشَّاق الأوفياء قول هند بنت أسماء بن خارجة الفزارية حين وفاة زوجها - الذي شَغَفَها حُبًّا - عبيد الله بن زياد:
(إنّي أشتاق إلى القيامة لأرى وجهه)! فوُصِفت كلماتها بالعفوية الصادقة التي تُشرِق حُبًّا ووفاء خالصًا، وقصتها مع زوجها عُبيد مُشوِّقة، ويماثله قول عروة بن حزام بزوجته عفراء:
(إنّي لأهوى الحشر إذ قيل اِنني
وعفراء يوم الحشر مُلتقيانِ)!
وقول ابن زيدون:
(إن كان قد عَزَّ في الدنيا اللقاء بكم
في موقف الحشر نلقاكم ويكفينا)
ولقيس بن المُلوَّح عَذب التَّوَجُّد على الحبيب كقوله:
متى يشتفي منك الفؤاد المعذب
وسهم المنايا من وصالك أقرب
فَبُعدٌ وَوَجدٌ وَاِشتِياقٌ وَرَجفَةٌ
فَلا أَنتِ تُدنيني وَلا أَنا أَقرَبُ
ولي ألف وجهةٍ قد عرفت طريقها
ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟
وعن ألم الفراق للشاعر: محمود البارودي:
يَا رَاحِلاً غَابَ صَبْرِي بَعْدَ فُرْقَتِهِ
وَأَصْبَحَتْ أَسْهُمُ الأَشْوَاقِ تُصْمِينِي
إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ مَا أَلْقَاهُ مِنْ كَمَدٍ
فِي الْحُبِّ مُذْ غِبْتَ عَنِّي فَهْوَ يُرْضِينِي
قَدْ كُنْتُ لا أَكْتَفِي بِالشَّمْلِ مُجْتَمِعَاً
فَالْيَوْمَ نَظْرَةُ عَيْنٍ مِنْكَ تَكْفِينِي
ومن الشعر الشعبي لشاعر يُدعى: ابن مانع؛ يقول بعذوبة وقد تَخَيَّل ورود رسالة إلكترونية رقيقة من المحبوبة بالثلث الأخير من الليل بعد أن أضناه الجَوَى:
روّح عَليَّ من ليل الأشواق ثلثين
وأقبل عَليّ ثلثٍ طَوَا ضِيقَتي طَيّ
عِقبَ الهُموم وظُلْمة اللّيل والبِين
تَنْويرَة الهاتِف مَلَت لِيلتي ضَيّ
يَرخَصْ لك الغَالي ويهدَى لك الزّين
تؤمُر عُيوني هاك هَذي قَبِل ذِي