د. ريم بنت عبدالرحمن رمزي
في وقتنا الآن حيث يتسارع فيه التدفق المعلوماتي السريع، وتتزاحم فيه المنصات الرقمية بالأفكار والاتجاهات والتصورات المتنوعة، باتت «المسؤولية الفكرية» ضرورة شرعية، وقيمة وطنية ومجتمعية لا غنى عنها، بل تعتبر إحدى أهم مرتكزات حماية العقول والافكار، وتسهم في تحقيق الوعي الفكري وترسيخ الانتماء الديني والولاء الوطني وبالأخص لدى فئة الشباب.
إن ما يشهده العالم اليوم من تحديات فكرية وإعلامية متنامية، وانتشار للشائعات والافكار المنحرفة والتضليل المعرفي، والمحاولات البائسة للتأثير على الهوية والقيم والانتماء، يفرض وبشكل إلزامي على المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مسؤولية كبرى في بناء وعي فكري راسخ قائم على التثبت من المعلومات، وتحليل محتواها، ومحاولة بناء قاعدة للنقد المسؤول بوصفها اداة فعالة تعزز المسؤولية الفكرية.
حيث تقوم على التزام الفرد بالتحقق من صحة المعلومات التي يتلقاها، وتحرير وفحص الافكار قبل تبنيها أو نشرها، مع إدراك أثر الكلمة في تشكيل الرأي العام وتوجيه المجتمع، فقد أكد ديننا الحنيف هذا المعنى العظيم حين ربط بين الفكر والأمانة والمحاسبة، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من نقل الأخبار دون تثبت وفحص بقوله: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِع».
ومن هنا فإن بناء الوعي الفكري الصحيح لا يتحقق إلا من خلال مسؤولية فكرية عالية جداً تضبط مصادر التلقي، وتوجه الفكر نحو المرجعية الصحيحة والثابتة، وتحصّن مجتمعنا وافراده من الشبهات والانحرافات الفكرية والتيارات المتطرفة، كما تسهم في تنمية التفكير الناقد القادر على التمييز بين الحق والباطل، وبين المعرفة الصحيحة والدعايات المضللة.
وتبرز أهمية المسؤولية كذلك في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة الصالحة؛ فكلما ازداد وعي الفرد بمسؤوليته تجاه دينه ووطنه ومجتمعه، أصبح أكثر حرصًا على أمن وطنه واستقراره، وأكثر وعيًا بخطورة الشائعات والأفكار الهدامة التي تستهدف تماسك المجتمع ووحدته.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تستثمر في الوعي الفكري، وتبني ثقافة المسؤولية في الكلمة والرأي والمعلومة، هي الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات الفكرية والإعلامية، والأكثر حفاظًا على أمنها واستقرارها وهويتها الوطنية.
وفي المملكة العربية السعودية، تتجلى الجهود الكبيرة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -وفقه الله- في تعزيز الوعي الفكري والانتماء الوطني وذلك عبر المبادرات العلمية والتوعوية والبرامج الثقافية التي تنطلق من الثوابت الشريعة الإسلامية وقيم الوسطية والاعتدال، وتسهم في بناء الإنسان الواعي القادر على حماية نفسه ومجتمعه، فالمسؤولية لم تعد خيارًا فكرياً او ثقافيًا او اجتماعياً، بل هي واجبًا شرعيًّا ووطنيًا وأخلاقيًا، يبدأ من الفرد نفسه ويمتد إلى الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والإعلامية، وجميع مؤسسات المجتمع، لبناء جيل واع ومسؤول يعتز بدينه ووطنه وقيادته، وقادر على مواجهة التحديات الفكرية بثبات وحكمة.