مهدي العبار العنزي
لا تنتهي الحروب بمجرد صمت المدافع أو جفاف حبر اتفاقيات السلام؛ فالواقع يؤكد أن توقف القتال ليس إلا نهاية لخطب الدمار، وبداية لخطاب البناء والأمن المستدام. السؤال الذي يفرض نفسه دائماً في أروقة مراكز الدراسات الإستراتيجية وصناع القرار هو: وماذا بعد الحرب؟ كيف تُعاد صياغة المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي لضمان عدم العودة إلى نقطة الصفر؟
1- تقويض المليشيات وإعادة هيبة الدولة: إن أولى ركائز الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب هي إنهاء الحالة الشاذة التي خلفتها القوى الخارجة عن نظام الدول. تلك الجماعات والمليشيات المسلحة التي ارتهنت لأجندات تخريبية، وكانت المتسبب الرئيس في سفك الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء، وتدمير مقدرات الأوطان.
* حصر السلاح بيد الدولة: لا يمكن بناء سلام حقيقي دون تفكيك هذه الكيانات الموازية، وإنهاء ظاهرة «الدولة داخل الدولة»، وفرض سيادة القانون وسلطة الدولة الشرعية على كامل ترابها الوطني.
* المحاسبة والعدالة: إنصاف الضحايا يتطلب ملاحقة المتسببين في هذه المآسي من قادة تلك التنظيمات الخارجة عن القانون، لضمان عدم الإفلات من العقاب ولتأسيس مرحلة جديدة ترتكز على العدل.
2- الدور الريادي للمملكة: إطفاء النيران وتضميد الجراح: في قلب هذه الأزمات، تبرز المملكة العربية السعودية كقوة حكمة وثقل إستراتيجي لا غنى عنه، حيث جسّدت سياستها نموذجاً يحتذى به في السعي الدؤوب لإيقاف النزاعات وصناعة السلام.
* دبلوماسية السلام وإطفاء الأزمات: لم تتوانَ المملكة يوماً عن قيادة الجهود الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر ونزع فتيل الصراعات، مستندة إلى ثقلها السياسي ومكانتها الإسلامية والدولية لإطفاء نيران الحروب في المنطقة والعالم.
* تضميد الجراح وبلسمة الآلام: بالتوازي مع الجهد السياسي، يسير الجهد الإنساني السعودي عبر ذراعها الإنساني (مركز الملك سلمان للإغاثة) ليكون أول الحاضرين في مناطق النزاع، يمد يد العون بلا قيد أو شرط، ويضمد جراح الشعوب المنكوبة عبر مشاريع إعادة الإعمار، والدعم الطبي، والإغاثي، إيماناً بأن بناء الإنسان يبدأ من حفظ كرامته.
المملكة مهد الشريعة والإيمان
عميدة الإسلام تبقى عميده
الصلح مبداها وتقدير واحسان
تبقى كبيره والمواقف كبيره
3- الاستقرار السياسي وإعادة بناء الشرعية: غياب المؤسسات أو ضعفها أثناء النزاعات يشكل أرضاً خصبة لظهور بؤر توتر جديدة، لذا فإن ملء الفراغ السياسي يمثل أولوية قصوى تقتضيها مرحلة ما بعد الصراع.
* هندسة التوافق: يتطلب القادم بناء نظام سياسي جامع لا يقصي أحداً، يرتكز على دولة المؤسسات والقانون وينهي إرث الفوضى.
* السيادة الوطنية: حماية القرار الوطني من التدخلات الخارجية التي غالباً ما توظف تلك الأدوات الخارجة عن النظام لتمرير أجندات خاصة وزعزعة استقرار المنطقة.
4- التنمية الاقتصادية وإعمار الإنسان قبل البنيان: إذا كانت إعادة إعمار البنية التحتية من جسور ومبانٍ تمثل تحدياً مالياً وهندسياً، فإن إعادة إعمار الإنسان هي التحدي الأكبر والأعمق.
* الاقتصاد الإنتاجي: تحويل الاقتصاد من «اقتصاد حرب» قائم على الأزمات والتهريب الذي تقتات عليه الجماعات الخارجة عن القانون، إلى اقتصاد رسمي إنتاجي يعيد عجلة التنمية والدورة الزراعية والصناعية للدوران.
* تأهيل الشباب: تحصين الفئات الشابة فكرياً وثقافياً لمنع استقطابهم من قِبل جماعات العنف، وتحويل طاقاتهم إلى سواعد بناء وتنمية.
5- السلم المجتمعي ومداواة الجراح: الحروب تترك ندوباً عميقة في النسيج الاجتماعي، والوصول إلى سلام دائم يتطلب ما هو أكثر من التهدئة العسكرية؛ يتطلب المصالحة الشاملة.
* تعزيز الهوية الجامعة: إعلاء قيم المواطنة فوق أي انتماءات ضيقة أو ولاءات تنظيمية منحرفة، ليكون الوطن هو المظلة التي يستظل بها الجميع.
* تضميد جراح الأسر: رعاية أسر الشهداء والضحايا الذين كانوا وقوداً لهذه الحرب التي أشعلت فتيلها الفئات المارقة.
خاتمة
إن «ما بعد الحرب» ليس مجرد زمن يأتي بعد القتال، بل هو مشروع إستراتيجي متكامل يتطلب حزماً في إنهاء مسببات الدمار، ورؤية ثاقبة في البناء. وفي هذا المشهد، تظل المملكة العربية السعودية منارة للأمل، ورائدة في إرساء قيم السلام، مبرهنة على أن قوة الدول لا تُقاس بما تحدثه من فوضى، بل بما تطفئه من نيران، وما تزرعه من استقرار وأمل للأجيال القادمة فوق ركام الفوضى.