جانبي فروقة
في عالم الاقتصاد توجد أفكار تبدو بديهية للوهلة الأولى حيث يفترض الكثيرون أنه إذا انخفض عدد العمال في سوق العمل فإن فرص العمل ستزداد تلقائياً لمن تبقى من العمال وأن الأجور سترتفع نتيجة نقص المعروض من اليد العاملة لكن الواقع الاقتصادي غالباً ما يكون أكثر تعقيداً من هذه المعادلات المبسطة وهذا ما حاولت دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة بروكينغز الأمريكية Brookings التي تتبعت 86 مدينة أمريكية شهدت أكبر زيادة في عمليات التوقيف المرتبطة بإنفاذ قوانين الهجرة خلال النصف الأول من 2025 الإجابة عنه فعند تحليل آثار هذه الحملات كان السؤال المركزي بسيطاً هل عندما يتم ترحيل أعداد كبيرة من العمال المهاجرين من سوق العمل يستفيد العمال الأمريكيون فعلاً؟ والنتائج جاءت مفاجئة للكثيرين وحتى صادمة فنحو 668 ألف وظيفة تبخرت من الاقتصاد أي ما يفوق بكثير عدد من جرى توقيفهم فعلاً وقدر الباحثون أن كل عملية توقيف إضافية كلفت السوق نحو 13 وظيفة في البداية ومع تصاعد الحملات ارتفعت الكلفة إلى 30 وظيفة عن كل توقيف والعملية لم تكن استبدالاً للعمالة بل تآكلاً لها والمفاجأة الأعمق أن نحو297 ألف من تلك الوظائف المفقودة كان يشغلها أمريكيون مولودون داخل البلاد أي أن السياسة التي وُعد بها العمال المحليون لحمايتهم أطاحت بعشرات الآلاف منهم وعلى سبيل المثال في مينيسوتا وحدها قدّرت تقديرات لاحقة أن عملية إنفاذ واحدة كلفت الولاية نحو 4 % 600 وظيفة وما يقارب 71 مليون دولار من النشاط الاقتصادي وهنا برزت المفارقة الاقتصادية المهمة ألا وهي أن الاقتصاد الحديث لا يعمل وفق منطق استبدال شخص بآخر بشكل مباشر فالعامل المهاجر ليس مجرد وظيفة منفصلة يمكن شغلها بشخص آخر فوراً بل هو جزء من شبكة إنتاج واستهلاك معقدة وعندما يختفي عدد كبير من العمال من قطاع معين قد لا تتمكن الشركات من مواصلة نشاطها بالمستوى نفسه فتقلل إنتاجها أو تؤجل مشاريعها أو تخفض عدد العاملين لديها بشكل عام وتوضح الدراسة أن التأثير لم يقتصر على القطاعات التي تعتمد تقليدياً على العمالة المهاجرة مثل البناء والزراعة والتصنيع بل امتد إلى قطاعات أخرى لا ترتبط مباشرة بالهجرة فمع تصاعد حملات الاعتقال والرقابة تغير سلوك الأفراد والشركات معاً وانخفض النشاط الاقتصادي المحلي في عدد من المدن المستهدفة هذه الظاهرة معروفة اقتصادياً باسم «الأثر المضاعف» أو «التأثير غير المباشر» فعنما يتوقف عامل عن العمل لا تتأثر وظيفته وحدها بل تتأثر أيضاً سلسلة من الأنشطة المرتبطة بها لأن هذا العامل ليس منتجا فقط بل مستهلكا أيضا فالمطاعم تبيع أقل ومتاجر التجزئة تستقبل زبائن أقل وشركات الخدمات تفقد جزءاً من الطلب على منتجاتها والمثير للاهتمام هو تقدير بروكينغز أن عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الوظائف التي اختفت كانت تخص عمالاً أمريكيين وليس مهاجرين وبمعنى آخر فإن العلاقة بين العمالة المهاجرة والعمالة المحلية ليست دائماً علاقة منافسة مباشرة كما يُصوَّرها البعض بل قد تكون في كثير من الحالات علاقة تكامل اقتصادي فوجود عامل في موقع البناء قد يخلق الحاجة إلى مهندس إضافي أو مشرف أو موظف مبيعات أو سائق شاحنة وعندما يختفي أحد أطراف المنظومة قد تتأثر بقية الأطراف أيضاً وربما لهذا السبب لم تجد الدراسات الحديثة أدلة قوية على ارتفاع الأجور أو تحسن فرص العمل للأمريكيين بعد تشديد إجراءات الهجرة بل إن بعض الأبحاث وجدت أن الشركات التي فقدت جزءاً من عمالتها اضطرت إلى تقليص عملياتها بالكامل بدلاً من استبدال العمالة المفقودة بسرعة والقصة لا تتعلق بالهجرة وحدها والدرس الأعمق هنا يتعلق بكيفية عمل الاقتصادات المعاصرة ففي القرن الحادي والعشرين أصبحت الاقتصادات أكثر ترابطاً من أي وقت مضى فالعامل والمستهلك وصاحب العمل والمورد والموزع يشكلون منظومة متشابكة يصعب فصل عناصرها عن بعضها البعض دون ظهور آثار جانبية غير متوقعة ولعل ما يجعل هذه القضية مهمة هو أنها تعكس تحدياً أكبر يواجه صناع القرار حول العالم فالكثير من السياسات تُصمم لتحقيق هدف محدد وواضح لكن نتائجها الفعلية قد تختلف عندما تنتقل من عالم النظريات إلى عالم الواقع ولا تقف القصة عند الهجرة وحدها فالمفارقة نفسها تظهر في الحروب التجارية التي أشعلتها الولايات المتحدة مع العالم فالرسوم الجمركية تُقدَّم عادة بوصفها أداة لحماية العامل الأمريكي والمصنع الأمريكي تحولت إلى ضريبة غير معلنة على المستهلك الأمريكي نفسه فعندما تفرض الدولة رسوماً على الواردات لا يدفعها البلد الآخر كما يتخيل البعض بل في كثير من الحالات يدفعها المستورد ثم تنتقل تدريجياً إلى رفوف المتاجر وإلى فواتير العائلات وإلى قرارات الشركات لهذا لم تكن الحرب التجارية مجرد معركة بين واشنطن وبكين أو بين أمريكا وشركائها بل كانت أيضاً معركة داخل بيوت الأمريكيين أنفسهم وقد ظهر ذك بوضوح في قطاع التجزئة فعندما حذرت وول مارت Walmart أكبر بائع تجزئة في الولايات المتحدة من أن الرسوم ستقود إلى ارتفاع الأسعار لم تكن تتحدث بلغة السياسة بل بلغة المحاسبة اليومية فهوامش الربح في التجزئة ضيقة ولا تستطيع الشركات امتصاص كل الصدمات إلى الأبد وفي النهاية ينتقل جزء من الكلفة إلى المستهلك وفي صناعة السيارات بدت الصورة أكثر وضوحاً وقدرت شركة فورد وهي من أكثر الرموز التصنيعية ارتباطاً بالهوية الأمريكية أن الرسوم ستكلفها نحو 1.5 مليار دولار في عام واحد وهذه ليست خسارة على الورق فقط بل إنها تعني ضغطاً على الأرباح وتردداً في الاستثمار وربما إعادة نظر في التوظيف والأسعار وخطط الإنتاج،
وهنا تتكرر الفكرة ذاتها فالاقتصاد لا يستجيب للشعارات بل يستجيب للحوافز والتكاليف فإذا ارتفعت تكلفة الحديد والألمنيوم والمكونات الإلكترونية وقطع الغيار فلن يصبح المصنع أقوى تلقائياً قد يصبح أبطأ وأكثر حذراً وأقل قدرة على المنافسة والأثر لا يتوقف عند الشركات الكبرى فالعائلة الأمريكية التي تشتري ملابس أو أدوات منزلية أو سيارة أو جهازاً إلكترونياً تجد نفسها أمام أسعار أعلى والشركة الصغيرة التي تعتمد على مكونات مستوردة تجد نفسها بين خيارين قاسيين إما رفع الأسعار وخسارة الزبائن أو تحمل الكلفة وخسارة الهامش.
إن السياسات الناجحة لا تُقاس فقط بنواياها أو بشعاراتها بل بنتائجها الفعلية على الأرض والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحكومة قادرة على تنفيذ سياسة معينة بل ما إذا كانت هذه السياسة تحقق النتيجة التي وعدت بها وربما تكمن الرسالة الأهم في دراسة بروكينغز في أن الاقتصادات الحديثة تشبه الأنظمة البيئية المعقدة أكثر مما تشبه الآلات الميكانيكية البسيطة فعندما يُزال عنصر واحد من المنظومة لا يحدث التغيير في ذلك العنصر فقط بل تمتد آثاره إلى أجزاء أخرى قد تبدو بعيدة عنه تماما ولهذا فإن النقاش حول الهجرة لم يعد مجرد نقاش قانوني أو سياسي بل أصبح أيضاً نقاشاً اقتصادياً يتعلق بطبيعة سوق العمل نفسه.
والسؤال لم يعد من سيشغل الوظائف؟ بل أصبح كيف نحافظ على منظومة اقتصادية قادرة على النمو والإنتاج وخلق فرص العمل للجميع؟ وفي زمن تتنافس فيه الدول على جذب المواهب والعمالة والابتكار قد يكون التحدي الأكبر ليس في كيفية تقليل عدد العاملين داخل الاقتصاد بل في كيفية تعظيم مساهمة كل فرد فيه بغض النظر عن خلفيته أو مكان ولادته.
إن الثروة لا تنشأ عندما نعيد توزيع المقاعد على الطاولة بل عندما نجعل الطاولة أكبر بما يكفي للجميع والمجتمع لا نحميه عندما نرفع الجدران حوله بل قد نكون قد حبسناه داخل منظومة ذات تكاليف أعلى وفرص أقل والاقتصاد ليست قلعة معزولة بل شبكة وفي آخر المطاف لا يحصي الاقتصاد عدد الذين خرجوا من السوق بل عدد الفرص التي نجح المجتمع في خلقها.