د.عيد بن حجيج الفايدي
لم يعد التنويع الاقتصادي خياراً تنموياً، بل أصبح ضرورة إستراتيجية ترتبط بالأمن الوطني والقدرة على مواجهة المتغيرات الدولية. وقد أرسى الاقتصادي الأمريكي هاري ماركويتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1990، نظريته الشهيرة في تنويع المحافظ الاستثمارية، التي تقوم على مبدأ جوهري مفاده أن توزيع الأصول على قطاعات متعددة غير مترابطة يُقلل من المخاطر الكلية ويُعظم العوائد المتوقعة. وعلى الرغم من أن ماركويتز صاغ نظريته في سياق الأسواق المالية، إلا أن مبادئها تنطبق بصورة مباشرة على اقتصادات الدول؛ إذ كما لا يضع المستثمر الحكيم كل أمواله في سلة واحدة، لا ينبغي لاقتصاد وطني أن يُرهن مستقبله بقطاع واحد أو مورد واحد أو مسار تجاري واحد. وعليه، تقوم الاقتصادات القوية على تنويع مصادر الدخل ومراكز الإنتاج والأنشطة الاقتصادية، تماماً كما تقوم المحافظ الاستثمارية الناجحة على توزيع الأصول وتنويع الاستثمارات، بحيث يُعوِّض نمو قطاع ما تراجعَ قطاع آخر، وتستمر عجلة الإنتاج في الدوران حتى في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنطلق، تبرز جزر أملج المائة باعتبارها إحدى أهم الفرص الاستراتيجية التي تمتلكها المملكة على ساحل البحر الأحمر، ليس فقط لما تتمتع به من جمال طبيعي استثنائي، بل لما تختزنه من إمكانات قادرة على بناء نموذج متكامل للتنويع الاقتصادي المكاني والقطاعي، وتحويل الجغرافيا نفسها إلى أصل اقتصادي منتج.
لقد ارتبطت أملج عبر التاريخ بدورها البحري والتجاري، وكانت جزءاً من الشبكات الاقتصادية التي ربطت الجزيرة العربية بمصر والشام وحوض البحر المتوسط. ولم يكن هذا الدور التاريخي وليد الصدفة، بل نتيجة موقع جغرافي فريد جعلها نقطة التقاء بين التجارة والبحر والثقافة والإنسان. واليوم تعود الجغرافيا ذاتها لفرصة جديدة للقيام بدور أكثر أهمية في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
لقد أثبتت أزمة مضيق هرمز والأزمات الجيوسياسية الأخرى، وما صاحبها من تحديات في الممرات البحرية العالمية، أن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى بدائل متعددة وإلى توزيع استراتيجي لمراكز النشاط الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى أرخبيل أملج بوصفه منصة وطنية قادرة على دعم مستهدفات التنويع الاقتصادي للمملكة، وتعزيز حضورها في الاقتصاد البحري العالمي، وإيجاد مساحات جديدة للاستثمار والإنتاج والابتكار.
يتميز أرخبيل أملج بكونه يضم أكثر من مائة جزيرة تتفاوت في أحجامها وخصائصها البيئية ومواقعها الجغرافية، وهو ما يمنح فرصاً مرنة استثنائية في تخصيص الاستخدامات الاقتصادية وفق المزايا النسبية لكل جزيرة. فبدلاً من توحيد الأنشطة في جميع الجزر، يمكن تطوير نموذج يقوم على التخصص الوظيفي والتكامل الاقتصادي، بحيث تتحول الجزر إلى منظومة إنتاجية مترابطة تشكل في مجموعها اقتصاداً بحرياً متكاملاً يجسّد عملياً مبادئ نظرية ماركويتز في التنويع وتوزيع المخاطر.
وفي هذا النموذج يمكن تخصيص جزر لإنتاج الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وأخرى للخزن الاستراتيجي للبترول ومشتقاته، وجزر للصناعات البحرية وصناعة وإصلاح السفن واليخوت، ومناطق للاستزراع السمكي والأمن الغذائي البحري، وأخرى للبحث العلمي والتقنيات البحرية المتقدمة. كما يمكن أن تستضيف بعض الجزر شركات عملاقة مثل هيونداي وهواوي وشركات صناعة السيارات الكهربائية وغيرها من الشركات التي تتطلع إلى القرب من الأسواق العالمية، بينما تُخصص جزر أخرى للسياحة والمحميات الطبيعية وحماية التنوع الحيوي، بما يحقق التوازن بين التنمية والاستدامة.
إن القيمة الحقيقية لهذا التنوع لا تكمن في تعدد المشاريع فحسب، بل في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تتوزع فيها المخاطر وتتضاعف فيها الفرص. فعندما يتراجع نشاط اقتصادي معين، تستمر بقية القطاعات في توليد القيمة المضافة والدخل وفرص العمل. وهكذا تتحول الجزر من مواقع منفصلة إلى شبكة اقتصادية مترابطة تدعم بعضها بعضاً وتعمل وفق رؤية وطنية موحدة.
وقبل هذا وذاك، فإن نجاح هذه الرؤية الطموحة يتطلب إعادة تخطيط إستراتيجي شاملة لمدينة أملج نفسها، بحيث تتوافق بنيتها العمرانية مع التحول المتوقع نحو اقتصاد بحري متنوع ومتخصص. فالمدينة بحاجة إلى مخطط حديث يعيد تنظيم وظائفها العمرانية والاقتصادية، وينقل حركة الشاحنات والخدمات اللوجستية الثقيلة خارج النطاق العمراني عبر منظومة متكاملة من الطرق الدائرية والمحاور السريعة، بما يحافظ على جودة الحياة داخل المدينة ويعزز جاذبيتها السياحية والاستثمارية.
كما أن هذا التحول يفتح المجال أمام إعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية داخل المدينة وفق رؤية أكثر تخصصاً وكفاءة؛ فتُقام منطقة متكاملة للصناعات الحرفية والإبداعية تدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومنطقة جامعية متخصصة في علوم البحار والسياحة والاستدامة والطاقة المتجددة، وبجوارها مدينة صحية تعليمية متقدمة تضم مستشفيات ومراكز أبحاث وكليات طبية، إلى جانب مناطق للأعمال والابتكار وريادة الأعمال، وأحياء سكنية ذكية تستوعب النمو السكاني المتوقع، ومرافق رياضية وترفيهية تعزز جودة الحياة وتدعم الاقتصاد السياحي.
وعند اكتمال هذه المنظومة، لن تكون أملج مجرد مدينة ساحلية أو وجهة سياحية عالمية، بل مركزاً اقتصادياً بحرياً متعدد الوظائف، تتكامل فيه المدينة مع الأرخبيل المحيط بها. وستتحول الجزر إلى منظومة تخصصية مترابطة؛ فمن جزيرة للطاقة المتجددة، إلى جزيرة للخزن الإستراتيجي للبترول، إلى جزيرة لصناعة وإصلاح السفن واليخوت، إلى جزر للبحث العلمي والابتكار والأمن الغذائي البحري والسياحة البيئية والمحميات الطبيعية. ولاستكمال منظومة الأمن الغذائي الشامل، يُقترح تخصيص مناطق رعوية مدروسة في الأراضي المحيطة بأملج لتربية الثروة الحيوانية وفق أسس علمية رصينة وأساليب صحية حديثة؛ إذ تعتمد هذه المناطق برامج تغذية متوازنة ورقابة بيطرية دورية وأنظمة إدارة المراعي المستدامة، بما يضمن إنتاج اللحوم والألبان بمعايير غذائية وصحية عالية الجودة، ويُقلل الاعتماد على الاستيراد، ويُعزز السيادة الغذائية الوطنية في بُعدها البري إلى جانب بُعدها البحري.
وعندها يصبح التنويع الاقتصادي في جزر أملج نموذجاً سعودياً متقدماً في استثمار الجغرافيا وإدارة المخاطر الاقتصادية وبناء اقتصاد مستدام، تلتقي فيه ثروات البحر بخيرات البر، ويُجسّد في أرض الواقع الدرس الأعمق لنظرية ماركويتز: أن التنويع الحقيقي هو الحصن المنيع في وجه الأزمات، والجسر الأمثل نحو الازدهار المستدام؛ مما يُعزز مكانة المملكة على البحر الأحمر ويُحوّل ثروتها الطبيعية إلى قيمة إستراتيجية ممتدة للأجيال القادمة بحول الله وقوته.