هدى بنت فهد المعجل
لا يبدأ الاستعمار حين تعبر الجيوش الحدود، بل يبدأ حين تعبر الأفكار العقول. فاحتلال الأرض حدثٌ ظاهر يمكن رؤيته ومقاومته، أما احتلال الوعي فهو عملية صامتة تتسلل إلى أعماق الإنسان حتى تغيّر نظرته إلى نفسه دون أن يشعر.
ولهذا كان أخطر ما يفعله المستعمِر أنه لا يسرق الثروات فحسب، بل يسرق المرآة التي يرى الإنسان فيها ذاته.
فالمرآة ليست قطعة زجاج تعكس الملامح، بل هي مجموع التصورات التي يحملها الفرد عن نفسه وعن مكانته في العالم.
وعندما يفرض المستعمِر صورته بوصفها النموذج الأعلى للإنسان والحضارة والجمال والعقل، فإنه يدفع الشعوب الخاضعة له إلى النظر إلى نفسها من خلال عينيه.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية؛ إذ يتحول الإنسان تدريجيًا إلى غريب عن صورته الأصلية. ومع مرور الزمن لا يعود المستعمَر محتاجًا إلى من يذكّره بدونيته، لأنه يتكفل بهذه المهمة بنفسه.
فيراقب ذاته بمعايير الآخر، ويزن قيمته بميزان لم يصنعه، ويسعى إلى التشبه بمن أقنعه أن التفوق حكر عليه. وهكذا تصبح الهيمنة النفسية أكثر رسوخًا من الهيمنة العسكرية، لأن الجنود قد يرحلون، بينما تبقى صورتهم مستقرة في الوعي.
إن أخطر أنواع السجون ليست تلك التي تُبنى من الحجر، بل تلك التي تُبنى من الأفكار.
فالسجين يعلم أنه مقيد، أما الأسير فكريًا فقد يظن أنه حر وهو يحمل قيوده في داخله.
لذلك لا تكتمل الحرية بمجرد زوال الاستعمار السياسي، بل تبدأ رحلة أشد صعوبة، هي استعادة الإنسان لحقه في تعريف نفسه بنفسه. فالتحرر الحقيقي هو استرداد المرآة المسروقة؛ أن يرى الإنسان ذاته بعين مستقلة، لا بعين من أراد يومًا أن يجعله موضوعًا للنقص والدونية.
وعندها فقط يصبح قادرًا على اكتشاف قيمته الحقيقية، لا كما رآها الآخرون، بل كما تحق أن تُرى.