د. خالد بن سالم الحربي
كانت الكلمات تُنسج كخيوط الحرير في آلة عظيمة. آلةٌ تجعل الصورة أسطورة، والوهم حقيقة. في ذلك الصرح الإعلامي، حيث كانت الصحف تطبع اليقين على أوراقها البيضاء، كان «جوزيف جوبلز» وزير الدعاية الألماني يقف كساحرٍ يعلم أن السر ليس في الكلمات، بل في تصديق الناس لها.
لقد أتقن الحرفة، وحول الهزائم انتصارات، والضعف قوة. كانت الآلة الإعلامية تعمل بتناغم، وتسبح في بحر من النجاحات. جيوش تُسقط الدول كأوراق الخريف، وشعوب ترفع أيديها في تحية واحدة. كان السحر يعمل لأن الواقع كان يقرع الطبول مع اللحن الذي تختاره الآلة الإعلامية.
لكن المعجزات العسكرية، تمتلك تاريخ انتهاء صلاحية. فعندما بدأت الدوائر تدور عكس اتجاهها. بدأت الخطوط الحمراء على الخرائط تتراجع. «ستالينغراد» لم تكن مجرد مدينة، بل كانت أول صدع في مرآة الساحر. كل تراجع كان يحمل معه جزءًا من مصداقية الآلة الإعلامية.
لم تفقد الآلة كفاءتها. كانت لا تزال تعمل بنفس البراعة، لكنها كانت تصطدم بواقع جديد، جنود يعودون بملابس ممزقة، وصواريخ العدو تصل إلى حيث كانت تُبث خطابات النصر. لقد تغيرت الحقائق.
كان الناس يستمعون إلى الخطب الرنانة والجوع ينخر بطونهم، أو يسمعون عن الجيش الألماني الذي لا يقهر وهم يختبئون في الملاجئ. مفارقة مأساوية، فكلما زادت براعة الآلة الإعلامية في تزيين الواقع الكئيب، زادت الهوة بين ما يُقال وما يُعاش. السحر لم يضعف، ولكن خانه النجاح، وخذله الواقع، حليفه السابق.
هذه القصة ليست حكراً على الأمم والحروب، بل تتكرر في صمت، داخل جدران المؤسسات ومكاتب العمل. فالبيئة المؤسسية مسرح صغير لنفس الدراما الكبرى. ففي تلك المؤسسة التي كانت تزخر بإبداع موظفيها، وتتسارع انجازاتها، كانت آلتها الإعلامية تعمل دون جهد. النشرات تصدر مكتظة بالأخبار الحقيقية، والقصص تُروى من تلقاء نفسها لأنها ولدت من رحم الواقع. المصداقية كانت تُبنى بلبنات ملموسة: انجاز جديد، استثمار ملياري، ابتكار تقني، فريق يحقق المستحيل. لكن الأمور تتغير.
حين يأتي قيادي فاشل، وتترهل الإدارة وتفقد بريقها، يحدث التحول الخفي. يبدأ الإنجاز بالضمور، لكن آلة الكلام تظل تدور. تتحول النشرات الإعلامية إلى مقالات مجوفة، مليئة بالعبارات الزائفة، بينما على الأرض، المشاريع تتأخر، الروح المعنوية تتهاوى، والكفاءات يغادرون بصمت. تبدأ الفجوة تكبر، بين ما يُعلن في القنوات العامة، وما يُهمس في الممرات.
الموظفون ليسوا أغبياء. يسمعون شعارات عن الريادة وهم يعانون من نظام تقييم مجحف. يقرأون عن ثقافة الابتكار بينما يرفض رؤساؤهم أبسط اقتراحات التطوير. يشاهدون مقاطع احترافية عن الأسرة المؤسسية بينما يهمش زميل مخلص لسبب غير معروف. المرآة أصبحت مشوهة، والانعكاس لم يعد مقنعاً.
لا يستطيع الإعلام، مهما بلغت فطنته، أن يخلق النجاح من العدم. إنه المرآة التي تعكس الإنجاز، وإذا لم يكن في الواقع ما يستحق العرض، فإن أفضل المرايا لن تظهر سوى الفراغ.
قصة «جوزيف جوبلز» ليست قصة عن سقوط إعلامي، بل قصة سقوط وهم أن الكلمات تستطيع أن تنتصر بمفردها. إنها تذكرة بأن الحقائق، في النهاية، هي التي تحكم. قد تطيل الكلمات عمر الوهم، وقد تخلق له هالة من المجد، لكن حين تأتي لحظة الحقيقة، لا تسمع إلا صوت ارتطام الواقع بالأرض.
الإعلام في نهاية المطاف، ليس من يصنع الواقع، بل من يكرس نفسه لروايته بصدق. وعندما لا يكون هناك واقع يستحق الرواية، فإن أفضل المقالات لن تكون سوى جعجعة في رياح التغيير العاتية، تذهب أدراج الرياح، ولا تترك خلفها سوى غبار الخيبة والفرص الضائعة.