نجلاء العتيبي
لفترة طويلة كان البعضُ يعتقد أن أبناء الوطن لا يستطيعون الاستمرار في كثير من الوظائف، وأن وجودهم فيها مُؤقَّت، وأنهم سيُغادرونها عند أول تحدٍّ أو مسؤوليةٍ، وكانت هذه الفكرة تتكرَّر حتى أصبحت عند البعض وكأنها حقيقةٌ، رغم أنها لم تُختبَر بالشكل الكافي على أرض الواقع. وعندما بدأت فرص التوطين تتوسَّع، ظهر شيء مختلف تمامًا، لم يظهر موظف يبحث عن راتب فقط، وإنما ظهر شابٌّ يريد أن يُثبت أن ما قيل عنه لم يكن صحيحًا، دخل إلى سوق العمل وهو يعلم أن الأنظار تتجه إليه، وأن نجاحه أو فشله لن يُحسَب عليه وحده، وإنما سيُبنَى عليه حكمٌ على جيل كامل من أبناء الوطن. لذلك عمل كثير من الشباب بجديةٍ أكبر، وتحمَّلوا ضغوطًا وتحدياتٍ لم تكن ظاهرة للناس، تعلَّموا من أخطائهم، واكتسبوا الخبرة يومًا بعد يومٍ، وأثبتوا أن الكفاءة لا ترتبط بجنسية أو خلفية معينة، وإنما ترتبط بالشخص نفسه ومدى استعداده للعمل والتطوُّر.
ومن عاش هذه المرحلة يلاحظ الفرق بوضوحٍ؛ فالشاب الذي كان ينتظر فرصةً لإثبات نفسه أصبح اليوم صاحب خبرة ومسؤولية، والوظائف التي كان البعض يُشكّك في قدرة السعوديين على النجاح فيها أصبحت تضمُّ نماذجَ ناجحةً ومتميزةً يُشار إليها بالبنان، ولم يحدث ذلك بين ليلةٍ وضُحاها، وإنما نتيجة جهدٍ متواصلٍ ورغبةٍ حقيقيةٍ في النجاح.
كما أن التوطين غيَّر نظرة كثيرٍ من الشباب إلى أنفسهم، فقد منحهم شعورًا أكبر بالقدرة على المنافسة، ودفعهم إلى تطوير مهاراتهم، وأشعرهم بأن لهم مكانًا حقيقيًّا في سوق العمل، وعندما يرى الإنسان ثمرة جهده أمامه، يزداد تمسكًا بعمله، وحرصًا على التميُّز فيه.
وفي المقابل، كشف التوطين أن أبناء الوطن كانوا يملكون القدرة منذ البداية، لكنهم كانوا بحاجة إلى مساحة أوسع لإظهارها، وعندما وُجدت الفرصة، ظهرت الكفاءات، وبرزت الطاقات، وتحوَّلت الشكوك إلى قصص نجاحٍ يراها الجميع؛ فالمواقع التي كان يُعتقد أن السعودي لن يستمرَّ فيها أصبحت اليوم تضمُّ كفاءاتٍ وطنيةً تدير وتُخطّط وتُنفّذ وتُحقّق نتائج يلمسها الجميع.
ولم يعد الإنجاز حالات فردية متفرقة، وإنما أصبح مشهدًا متكررًا في قطاعات متعددة، وهذا ما يُؤكّد أن ما تحقَّق لم يكن استثناءً، وإنما نتيجة طبيعية لقدرات حقيقية وَجدت طريقها إلى الظهور؛ فالشباب السعودي أثبت أنه قادرٌ على التعلُّم السريع، والتكيف مع مُتطلَّبات العمل، وتحمُّل المسؤوليات المتزايدة، وتحويل التحديات إلى فرص للتطوُّر والنجاح.
لم يعُد أحد يتساءل اليوم إن كان أبناء الوطن قادرين على النجاح في هذه الوظيفة أو تلك؛ لأن الإجابة أصبحت موجودةً في كل قطاعٍ وموقع عملٍ، وما تحقَّق خلال السنوات الماضية أثبت أن الكفاءة كانت موجودةً، وأنها كانت تنتظر الفرصة فقط، وعندما جاءت الفرصة حضر الإنجاز.
ولهذا لا يمكن اختزال التوطين في توفير وظائف، فهو كشف لقدرات وطنية أثبتت أنها قادرةٌ على تحمُّل المسؤولية، وصناعة النجاح، والإضافة في كل مكانٍ وجدت فيه، ومَن ينظُرُ إلى ما تحقَّق يُدرك أن أبناء الوطن لم يكونوا بحاجة إلى مَن يُثبت قدراتهم بقدر حاجتهم إلى فرصةٍ يُظهرون من خلالها ما يمتلكونه من كفاءة وطموح وعزيمة، وعندما اجتمعت الثقة مع الفرصة كانت النتيجة كفاءات وطنية حاضرة في مختلف المواقع، تُسهم في التنمية، وتُشارك في البناء، وتؤكد أن الوطن يتقدَّم بأبنائه.
ضوء
«ثروتنا الأولى التي لا تُعادلها ثروة مهما بلغت، شعبٌ طموحٌ، معظمه من الشباب، هو فخر بلادنا، وضمان مستقبلها بعون الله».
وليُّ العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله.