صبحي شبانة
في التاريخ لحظات فارقة لا تقتصر أهميتها على نتائج المعارك أو تغير الحدود السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل المفاهيم التي تحكم فهم البشر للقوة والحرب وموازين التفوق العسكري، واليوم يبدو العالم وكأنه يقف أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تدفع الخبراء العسكريين والإستراتيجيين إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي استقرت لعقود طويلة، فالحرب في أوكرانيا، وما رافقها من استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، إلى جانب المواجهات الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وما كشفته من حدود القوة العسكرية التقليدية في تحقيق الأهداف السياسية النهائية، تطرحان سؤالاً بالغ الأهمية: هل ما زالت القوة العسكرية وحدها قادرة على حسم الحروب كما كان يُعتقد طوال القرن العشرين؟
منذ أن عرف الإنسان الحرب، ظل السؤال الأكثر حضوراً في كل عصر هو: ما الذي يصنع النصر؟ وعلى امتداد التاريخ تعددت الإجابات بتعدد الأزمنة وتغير أدوات وعناصر القوة، ففي بعض المراحل كان حجم الجيوش هو العامل الحاسم، وفي مراحل أخرى كان التفوق الاقتصادي أو التكنولوجي أو الجغرافي هو العنصر الأكثر تأثيراً، غير أن القرن العشرين رسخ في الوعي الإستراتيجي العالمي قناعة شبه راسخة مفادها أن التفوق العسكري الشامل كفيل بحسم الحروب وفرض الإرادات وتحقيق الأهداف السياسية للدول الكبرى.
هذه القناعة تعززت بصورة أكبر بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عندما بدا وكأن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة أصبحت قادرة على اختصار زمن الحروب وتقليل كلفتها وتحقيق نتائجها في وقت قياسي، ولعل مشاهد العمليات العسكرية السريعة التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة ساهمت في ترسيخ الاعتقاد بأن امتلاك القوة النارية الساحقة والتفوق التقني يمنحان الجيوش القدرة على فرض معادلات جديدة وإنهاء الصراعات وفقاً لما يريد، إلا أن السنوات الأخيرة حملت معها مؤشرات مختلفة تماماً، وجاءت الحرب في أوكرانيا، ثم المواجهات المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط، لتفتح الباب أمام مراجعة واسعة لكثير من المفاهيم التي حكمت التفكير العسكري والإستراتيجي طوال العقود الماضية، فالعالم الذي اعتاد النظر إلى القوة من خلال حجم الترسانات العسكرية وعدد الطائرات والدبابات والصواريخ، بدأ يكتشف أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لم تعد وحدها كافية لفهم طبيعة الصراعات الحديثة أو التنبؤ بنتائجها.
لقد دخلت روسيا الحرب الأوكرانية باعتبارها واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم، تمتلك ترسانة نووية هائلة، وقوات مسلحة ضخمة، وخبرة قتالية تراكمت عبر عقود طويلة، وفي المقابل، وقفت أوكرانيا مدعومة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من الولايات المتحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي، في مشهد يعكس بصورة واضحة حجم الموارد والإمكانات التي انخرطت في هذه المواجهة، ومع ذلك، لم يتحقق الحسم السريع الذي توقعه كثير من المحللين في بداية الحرب، وتحولت المواجهة إلى صراع طويل ومعقد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، بصورة جعلت الحرب تتحول من معركة ميدانية إلى اختبار شامل لقدرات الدول والمجتمعات على الصمود والاستمرار.
وفي الشرق الأوسط، جاءت المواجهات المرتبطة بإيران لتؤكد بدورها أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش نظامية أو بين منظومات تسليح متطورة، بل أصبحت ساحة تتشابك فيها عناصر القوة الصلبة مع عناصر القوة الناعمة، وتتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، والتكنولوجيا مع الإرادة الوطنية.
ولعل أبرز ما كشفت عنه هذه الصراعات هو أن العالم بات يعيش مرحلة تتراجع فيها قدرة القوة العسكرية وحدها على تحقيق الحسم النهائي، مقابل تصاعد أهمية عوامل أخرى كانت تُعد في السابق عناصر مساندة وليست عناصر حاسمة، ففي الحروب التقليدية كان التركيز ينصب على تدمير قدرات الخصم العسكرية وإضعاف قوته القتالية، باعتبار أن ذلك يقود بصورة تلقائية إلى تحقيق الأهداف السياسية، أما اليوم، فقد أصبح واضحاً أن الطريق بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية لم يعد قصيراً كما كان يُعتقد.
فقد تستطيع دولة ما تحقيق تفوق عسكري في الميدان، لكنها قد تجد نفسها أمام تحديات سياسية أو اقتصادية أو مجتمعية تمنعها من تحويل هذا التفوق إلى نصر إستراتيجي كامل، ومن هنا يمكن القول إن الحرب في أوكرانيا والمواجهات المرتبطة بإيران أعادتا الاعتبار إلى مفهوم ظل حاضراً في كتب التاريخ العسكري منذ قرون، وهو مفهوم الإرادة الوطنية، فالأسلحة مهما بلغت دقتها وقوتها، لا تستطيع وحدها أن تحسم الصراعات إذا كانت تواجه شعوباً تمتلك قدرة عالية على التحمل والصبر والتكيّف مع الظروف الصعبة، والتكنولوجيا مهما بلغت مستويات تطورها، لا تستطيع أن تحل محل الإنسان الذي يتخذ القرار ويصمد ويتحمّل الكلفة ويواصل الدفاع عن قضاياه ومصالحه.
لقد ظن كثيرون أن عصر الذكاء الاصطناعي، والطائرات الشبحية، والأسلحة الذكية سيجعل العنصر البشري أقل أهمية في معادلات الصراع، لكن الوقائع الميدانية أثبتت العكس، فكل تطور تكنولوجي جديد يقابله تطور في أساليب المواجهة والتكيّف والمقاومة، الأمر الذي يجعل العنصر البشري حاضراً بقوة في قلب المعادلة، ولذلك لم يعد مستغرباً أن يتحدث عدد متزايد من الخبراء العسكريين عن عودة ما يُسمى بحروب الإرادة، وهي الحروب التي لا يكون الانتصار فيها حكراً على من يمتلك السلاح الأقوى، بل على من يمتلك القدرة الأكبر على الاستمرار وتحمل الضغوط لفترة أطول.
ومن اللافت للنظر أن هذه التحولات تأتي في وقت يشهد فيه العالم سباقاً غير مسبوق نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكرية، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، والطائرات غير المأهولة، والصواريخ فائقة السرعة، ومع ذلك فإن كل هذه الإنجازات التقنية لم تلغِ حقيقة أساسية مفادها أن الحرب تظل في جوهرها صراع إرادات قبل أن تكون صراع أدوات.
ولعل التاريخ الحديث يقدم شواهد عديدة على ذلك، فقد امتلكت الولايات المتحدة في حرب فيتنام تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكنها لم تتمكّن من تحقيق الأهداف السياسية التي سعت إليها، كما واجه الاتحاد السوفيتي تحديات مشابهة في أفغانستان، ثم وجدت الولايات المتحدة نفسها بعد عقود أمام تعقيدات مماثلة في الساحة ذاتها، غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن هذه الدروس لم تعد تقتصر على الحروب غير المتكافئة أو النزاعات المحلية، بل أصبحت تنطبق حتى على الصراعات التي تشارك فيها قوى كبرى تمتلك أضخم القدرات العسكرية والاقتصادية في العالم، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.
فالقوة لم تعد مجرد عدد من الطائرات أو الدبابات أو حاملات الطائرات، والقوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري أو نوعية الأسلحة المتاحة، بل أصبحت مفهوماً أكثر شمولاً واتساعاً، يجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والموارد البشرية والقدرة المؤسسية والتماسك المجتمعي والاستقرار السياسي، فالدولة التي تمتلك اقتصاداً قادراً على تحمل الضغوط الطويلة، قد تكون أكثر قدرة على الاستمرار من دولة تمتلك ترسانة عسكرية أكبر ولكنها تفتقر إلى المرونة الاقتصادية، والدولة التي تتمتع بمجتمع متماسك ومؤسسات قوية قد تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات من دولة تعتمد فقط على التفوق العسكري.
ولعل أحد أبرز الدروس التي أفرزتها الحرب الأوكرانية يتمثّل في أن الاقتصاد أصبح جزءاً أساسياً من ساحة المعركة، فالعقوبات الاقتصادية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتجارة الدولية، جميعها تحولت إلى أدوات تؤثَّر بصورة مباشرة في مسار الصراع ونتائجه، كما كشفت الأحداث أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح عنصراً أساسياً من عناصر الأمن القومي والاستقرار الدولي، وهو ما يفسر حجم الاهتمام العالمي المتزايد بالممرات البحرية الإستراتيجية، وبمصادر الطاقة، وبحماية سلاسل الإمداد العالمية، وفي هذا السياق تبرز أهمية منطقة الشرق الأوسط بوصفها إحدى أهم مناطق العالم تأثيراً في معادلات الطاقة والتجارة الدولية، فالتطورات التي تشهدها المنطقة لم تعد ذات أبعاد إقليمية فقط، بل أصبحت جزءاً من حسابات الأمن والاستقرار العالميين.
ولذلك فإن قراءة المواجهات المرتبطة بإيران لا ينبغي أن تقتصر على بعدها العسكري المباشر، بل يجب أن تشمل انعكاساتها على أمن الطاقة، وحركة التجارة العالمية، واستقرار الأسواق الدولية، والتوازنات الجيوسياسية الأوسع، ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الحروب أن الزمن نفسه أصبح عاملاً إستراتيجياً مؤثراً في الصراعات الحديثة، ففي الماضي كانت الحروب السريعة تمثّل النموذج الأكثر شيوعاً لتحقيق الأهداف السياسية، أما اليوم، فإن امتداد أمد الحرب قد يتحول إلى عنصر قوة لدى طرف، وعنصر استنزاف لدى طرف آخر، ولهذا لم يعد السؤال الأساسي في الحروب الحديثة هو من يحقق الضربة الأولى، بل من يستطيع الصمود لفترة أطول، ومن يستطيع الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، ومن ينجح في إدارة موارده بكفاءة خلال فترات الاستنزاف الطويلة.
إن العالم يقف اليوم أمام تحول إستراتيجي عميق قد تكون آثاره ممتدة لعقود قادمة، فالمراجعات التي ستجريها المؤسسات العسكرية ومراكز الدراسات الإستراتيجية بعد انتهاء هذه الصراعات لن تقتصر على تقييم الأسلحة والتكتيكات العسكرية، بل ستشمل إعادة النظر في مفهوم القوة ذاته،
وسيكون على صنَّاع القرار حول العالم أن يتعاملوا مع حقيقة جديدة مفادها أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة، وأن التفوق العسكري لا يضمن دائماً تحقيق الأهداف السياسية، وأن الصمود الوطني أصبح جزءاً لا يتجزأ من معادلات الردع والنفوذ، ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه أوكرانيا وإيران للعالم اليوم هو أن الحروب لا تحسمها آلة التدمير وحدها، بل تحسمها أيضاً قدرة الدول على الصبر، وقدرة المجتمعات على التماسك، وقدرة القيادات على إدارة الأزمات طويلة الأمد.
ففي نهاية المطاف، قد تتغير الأسلحة، وتتطور التكنولوجيا، وتتبدل أدوات الحرب، لكن حقيقة واحدة تبقى ثابتة عبر العصور، وهي أن الإنسان سيظل العنصر الأكثر تأثيراً في معادلات الصراع، ولهذا فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد فصل جديد في تاريخ الحروب، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الإستراتيجي العالمي، مرحلة تعيد التوازن بين الآلة والإنسان، وبين القوة والإرادة، وبين التفوق العسكري والقدرة على الصمود.
وعندما يكتب المؤرِّخون مستقبلاً عن التحولات الكبرى في القرن الحادي والعشرين، فقد لا يتوقفون فقط عند ما جرى في ميادين القتال، بل عند تلك اللحظة التي أدرك فيها العالم أن امتلاك أقوى الأسلحة لا يكفي دائماً لتحقيق النصر، وأن إرادة الشعوب ما زالت قادرة على إعادة رسم الخرائط وتغيير مسار التاريخ.