حذامي محجوب
قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن تقارب سعودي إيراني يبدو أقرب إلى أمنية مستحيلة، بعيدة منه إلى احتمال سياسي واقعي.
فقد مرت العلاقات بين كل من الرياض وطهران خلال العقود الماضية بمراحل طويلة من التوتر والقطيعة، وتراكمت حولها ملفات إقليمية شديدة التعقيد، جعلت من الصعب تصور عودة الطرفين إلى طاولة الحوار بحثا عن المصالح المشتركة.
لكن السياسة، كما أثبتت التجارب عبر التاريخ، لا تعرف المستحيل عندما تفرض مصالح الدول نفسها، وعندما يصبح الاستقرار الإقليمي ضرورة تتجاوز الخلافات والصراعات السابقة.
من هنا تكتسب تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال تصريحاته الأخيرة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب اللهجة الجديدة التي حملتها.
فقد تحدث عراقجي عن العلاقة التي تجمعه بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مؤكدا أن العلاقات بين الرياض وطهران تجاوزت مرحلة القطيعة، وأنها عادت إلى مسارها بفضل الوساطة الصينية، معتبرا أن البلدين قادران على التعاون من أجل أمن المنطقة واستقرارها.
هذا الخطاب يعكس، على ما يبدو، إدراكا متزايدا لدى جزء من المؤسسة السياسية الإيرانية بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مزيدا من الأزمات المفتوحة.
فالمنطقة دفعت خلال السنوات الماضية أثمانا باهظة بسبب الحروب والصراعات والتجاذبات الأمنية، في وقت كانت فيه الشعوب تتطلع إلى مزيد من التنمية والاستقرار وبناء مستقبل اقتصادي أفضل.
ومن هذا المنطلق جاء التقارب السعودي الإيراني كمحاولة لفتح صفحة جديدة عنوانها الحوار بدل المواجهة، والمصالح المشتركة بدل الصراع المستمر.
لقد لعبت المملكة العربية السعودية دورا أساسيا في هذا التحول، انطلاقا من رؤية تقوم على تعزيز الاستقرار الإقليمي وتهيئة بيئة تسمح بالتنمية والتعاون بين دول المنطقة.
أما إيران، فهي تدرك بدورها أن بناء علاقات متوازنة مع محيطها العربي أصبح مصلحة إستراتيجية لها في ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.
لكن العلاقات بين الدول لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل بالأفعال والاختبارات العملية، خصوصا عندما يكون الماضي محملا بأزمات عميقة وشكوك.
لقد اعتمدت إيران خلال العقود الماضية على سياسة إقليمية قائمة في جانب كبير منها على توسيع النفوذ عبر حلفاء وقوى محلية مسلحة في عدد من الدول، وهو ما أثار اعتراض العديد من العواصم العربية بشأن أمنها واستقرارها.
لذلك فإن نجاح مسار التقارب لن يتوقف على الكلمات الإيجابية فحسب، بل على قدرة طهران على تحويل خطاب الانفتاح إلى سياسات واضحة ومستدامة، وعلى إثبات أن الحوار ليس مجرد مناورة مؤقتة فرضتها الظروف، بل خيار إستراتيجي حقيقي.
وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب: هل تستطيع المملكة العربية السعودية بناء ثقة كاملة مع نظام ارتبطت علاقاته السابقة معها بفترات من التوتر الحاد ؟ وهل أصبحت طهران مستعدة فعلا لطي صفحة السياسات التي أثارت قلق جيرانها، أم أن الخطاب الدبلوماسي الإيراني شيء، وما يحدث على الأرض شيء آخر؟.
ثم يبقى السؤال الأكثر جوهرية: من يصنع القرار الحقيقي في إيران؟
هل القرار بيد الحكومة ووزارة الخارجية؟ أم أن هناك مراكز قوة أخرى محلية، مثل الحرس الثوري، تمتلك تأثيراً واسعاً في الملفات الإيرانية والأمنية؟، وهل توجد مسافة بين ما تعلنه المؤسسات الرسمية الإيرانية وما يُتخذ فعليا داخل دوائر القرار؟.
كما يطرح اسم مجتبى خامنئي نفسه في العديد من التحليلات المتعلقة بمستقبل السلطة في إيران.
فهل دوره مجرد نفوذ داخل دائرة الحكم، أم أنه أصبح جزءا من معادلة رسم مستقبل الجمهورية الإسلامية؟ ويبقى ذلك من الملفات التي تراقبها الأوساط السياسية عن قرب.
وفي النهاية، فإن القضية الأساسية ليست فقط: ماذا تقول إيران ؟ بل من يملك القدرة في إيران على تحويل القول إلى قرار؟ فالعلاقات الدولية لا تُبنى على النوايا وحدها، وإنما على وضوح مركز القرار، وعلى القدرة على الالتزام بالتعهدات.
لقد فتح عباس عراقجي، من خلال تصريحاته، نافذة جديدة للحوار مع السعودية، لكن مستقبل هذه النافذة سيبقى رهينا بإجابة السؤال الأهم: «من يتحدث باسم إيران فعلا عندما يتعلق الأمر بمستقبل المنطقة»؟