رسيني الرسيني
لكي ينتج أسلافنا -ما قبل التاريخ- كمية الضوء اللازمة لمدة ساعة واحدة، كان عليهم قضاء ثمان وخمسين ساعة في جمع الحطب وإعداده، ثم أخذ هذا الزمن يتقلص مع الاكتشافات والاختراعات المتعاقبة حتى وصلنا اليوم إلى مرحلة تكفي فيها أقل من ثانية واحدة من العمل لتشغيل مصباح للمدة ذاتها، وبهذا أصبح العائد الإنتاجي اليوم أعلى بنحو 300 ألف مرة مقارنة بالعصور السابقة. هذا ما أشار إليه الكاتب أندرو لي في كتاب «مختصر تاريخ علم الاقتصاد» وهو أن جوهر التقدم لم يكن مجرد إنتاج المزيد، بل تحرير المزيد من الوقت، فتاريخ الاقتصاد هو رحلة مستمرة لتحرير الإنسان من الهدر ومنحه فرصة أكبر للإنتاج والابتكار وتحسين جودة الحياة.
من هذا المنطلق يمكن النظر إلى مبادرة ساعات العمل المرنة التي أعلنتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض باعتبارها ليست مبادرة اجتماعية فقط وإنما مبادرة اقتصادية أيضًا. فالوقت الذي يقضيه الموظف يوميًا في الازدحام المروري يمثل تكلفة اقتصادية حقيقية وإن لم تظهر في القوائم المالية للكيانات. فعندما يتم توزيع أوقات الحضور والانصراف على فترات مختلفة، تنخفض كثافة الحركة المرورية ويستعيد الأفراد جزءاً من وقتهم المهدور. هذا الوقت المستعاد يمكن أن يوجه إلى العمل والإنتاج أو إلى التعلم والتطوير الذاتي أو حتى إلى الأسرة والأنشطة الاجتماعية والترفيه، وهي جميعًا عناصر ترفع كفاءة رأس المال البشري على المدى الطويل.
كما تمتد الآثار الاقتصادية للمبادرة إلى الجوانب البيئية والصحية. فالازدحام المروري لا يعني فقط تأخر الوصول إلى العمل، وإنما يؤدي أيضاً إلى استهلاك أعلى للوقود وانبعاثات كربونية أكبر نتيجة بقاء المركبات لفترات طويلة في حركة بطيئة أو متوقفة. ومع توجه الرياض نحو تعزيز الاستدامة وتحقيق مستهدفات الرياض الخضراء، فإن أي خفض في كثافة الازدحام يسهم في تحسين جودة الهواء وتقليل البصمة الكربونية للمدينة. كذلك تشير العديد من الدراسات إلى أن التنقل الطويل والمزدحم يرفع مستويات التوتر والإجهاد الذهني لدى الموظفين، ما ينعكس على التركيز واتخاذ القرار والإبداع والإنتاجية الفعلية خلال ساعات العمل. وبالتالي فإن معالجة الازدحام لا تمثل قضية مرورية فحسب، وإنما تعد استثمارًا مباشرًا في صحة القوى العاملة وكفاءتها الاقتصادية.
ولا تتوقف المكاسب عند ذلك، فهناك جانب مالي ملموس ينعكس على الأفراد والشركات على حد سواء. فالازدحام يرفع تكاليف التنقل سواء عبر المركبات الخاصة أو وسائل النقل العامة أو تطبيقات التوصيل، كما يزيد من استهلاك المركبات ويعجل بالحاجة إلى الصيانة والاستبدال. إضافة إلى ذلك، تعتمد شركات التأمين عند تسعير وثائق تأمين المركبات على عوامل متعددة من بينها كثافة الحركة المرورية واحتمالات الحوادث، ولذلك فإن المدن الأكثر ازدحامًا غالبًا ما تواجه تكاليف تأمين أعلى مقارنة بالمناطق الأقل ازدحامًا. ومن هذا المنظور، فإن أي مبادرة تسهم في تخفيف الضغط على الطرق قد تحقق وفورات اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للأفراد والشركات نفسها.
حسنًا، ثم ماذا؟
قد يكون من المناسب تعزيز ثقافة العمل عن بُعد خصوصًا للأقسام التي لا تستدعي الحضور اليومي، فالعمل لا يقاس بالحضور والانصراف وإنما بالإنتاجية وتحقيق أهداف المنظومة.