وائل العتيبي - الرياض:
حين قرر النفط أن يروي قصته في الرياض، يغادر النفط صورته التقليدية بوصفه مادة خاماً تُستخرج من باطن الأرض أو سلعة تتحكم في أسواق الطاقة العالمية، ليظهر باعتباره قصة إنسانية وحضارية تُروى عبر الفن والذاكرة والتقنية. وفي «متحف الذهب الأسود» يجد الزائر نفسه أمام تجربة ثقافية استثنائية تعيد قراءة واحدة من أكثر السرديات تأثيراً في التاريخ الحديث؛ سردية المورد الذي أسهم في إعادة رسم خرائط الاقتصاد العالمي، وأحدث تحولات عميقة في العمران والتنمية وأنماط الحياة، وترك أثراً ممتداً في تشكيل العالم الذي نعرفه اليوم.
يقع المتحف في مقر مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» بالرياض، ويُعد أول متحف دائم في العالم يخصص بالكامل لتناول النفط من منظور الفن المعاصر. ومنذ افتتاحه على يد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، وصاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة، رسّخ المتحف مكانته بوصفه مشروعاً ثقافياً نوعياً يتجاوز المفهوم التقليدي لمتاحف النفط، ليقدم رؤية فنية وفكرية تتناول أثر الطاقة في حياة الإنسان وتحولات المجتمعات عبر الزمن.
عمارة تنبض بمستقبل الطاقة
تبدأ فرادة التجربة قبل الوصول إلى قاعات العرض نفسها. فالمتحف يحتضنه المبنى الأيقوني الذي صممته المعمارية العالمية الراحلة زها حديد ليكون في الأصل مكتبة متخصصة لأبحاث الطاقة ضمن مجمع كابسارك. ويُعد المبنى واحداً من أبرز المنجزات المعمارية المعاصرة في المنطقة، إذ يمتد على مساحة تقارب سبعين ألف متر مربع بتكويناته البلورية السداسية المستوحاة من تضاريس الصحراء، وقد حاز عند افتتاحه عام 2017 شهادة «ليد البلاتينية» للاستدامة البيئية، ليصبح أول مشروع لمكتب زها حديد المعماري ينال هذا التصنيف العالمي.
ولا يمثل المبنى مجرد وعاء يحتضن المعروضات، بل يشكل جزءاً من الرسالة الثقافية للمتحف، حيث تلتقي العمارة المستقبلية بقصة الطاقة التي أسهمت في صياغة ملامح العصر الحديث.
داخل المتحف الذي استبدل الآبار بالأعمال الفنية
عند عبور بوابة المتحف، يدرك الزائر سريعاً أنه لا يواجه متحفاً صناعياً تقليدياً يعرض معدات الحفر أو نماذج الآبار النفطية، بل يدخل إلى فضاء بصري وفكري يجعل الفن أداته التفسيرية الأساسية. فلا شاشات جامدة تكتفي بسرد الأرقام والتواريخ، بل أعمال فنية وتركيبات بصرية وتجارب تفاعلية تجعل الزائر جزءاً من الحكاية نفسها، وكأنه يسير داخل تاريخ الطاقة العالمية وتحولاتها الكبرى.
يضم المتحف أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً أبدعها نحو 170 فناناً سعودياً وعالمياً من أكثر من ثلاثين دولة، في واحدة من أكبر المجموعات الفنية المرتبطة بموضوع الطاقة على مستوى العالم. وتتوزع الأعمال بين اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال الرقمية والعروض المرئية والتركيبات متعددة الوسائط، التي تستكشف العلاقة المعقدة بين الإنسان والنفط والاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا.
يتولى إدارة المتحف القيّم الفني الفلسطيني جاك برسيكيان، مؤسس بينالي الشارقة ومدير المتحف الفلسطيني السابق، وهو اختيار يعكس رغبة القائمين على المشروع في أن يكون المتحف طرفاً فاعلاً في الحوار الفني العالمي، لا مجرد مؤسسة تُعنى بعرض تاريخ النفط السعودي.
من الاكتشاف إلى الرؤى.. أربعة فصول لعصر كامل
تنتظم التجربة المتحفية ضمن أربعة فصول سردية تشكل العمود الفقري للمتحف. يبدأ الفصل الأول «اللقاء» مع البدايات الأولى لاكتشاف النفط واستخداماته المبكرة خلال القرن التاسع عشر، ثم ينتقل الزائر إلى فصل «الأحلام» الذي يستعرض كيف تحولت الطاقة إلى محرك للتنمية والطموح وبناء المدن الحديثة، لا سيما في منطقة الخليج.
أما فصل «الشكوك» فيتوقف عند الأسئلة الكبرى التي رافقت عصر النفط، من التحديات البيئية إلى التحولات الجيوسياسية والاعتماد العالمي المتزايد على الوقود الأحفوري، فيما يفتح فصل «الرؤى» آفاق النقاش حول مستقبل الطاقة والتحولات التي قد تعيد تشكيل العالم خلال العقود المقبلة.
النفط كما لم يره أحد من قبل
ومن هنا تتجلى الفكرة الجوهرية للمتحف؛ فهو لا يروي تاريخ النفط بقدر ما يروي تاريخ التحولات التي صنعها النفط في حياة البشر. فالمادة التي كانت مدفونة في أعماق الأرض أصبحت قوة أسهمت في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، ودفعت عجلة التحديث، وغيرت صورة المدن والمجتمعات في أنحاء واسعة من العالم.
ولا تقتصر أهمية المتحف على عرض تاريخ النفط، بل تكمن في قدرته على تحويل هذا التاريخ إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة. فخلف كل حقل نفطي مدينة نشأت، وخلف كل اكتشاف فرصة للتعليم والعمل والتنمية، وخلف كل مشروع للطاقة تحولات اجتماعية واقتصادية أعادت تشكيل مصائر ملايين البشر. ومن هذا المنظور لا يظهر النفط بوصفه مورداً اقتصادياً فحسب، بل باعتباره أحد المحركات الأساسية للتاريخ الحديث.
كما يضم المتحف وثائق وصوراً تاريخية وأرشيفاً بصرياً ثرياً يربط بين تطور صناعة النفط والتحولات العمرانية والاقتصادية والثقافية التي شهدها العالم خلال القرن العشرين، ما يجعل التجربة أقرب إلى قراءة بصرية شاملة للتاريخ المعاصر منها إلى مجرد معرض فني.
فنانون يكتبون سيرة الذهب الأسود
تحضر التجربة السعودية بقوة داخل المتحف من خلال أعمال عدد من أبرز الفنانين السعوديين الذين ارتبطت سيرهم الذاتية بقصة النفط وتحولاته. ومن بينهم الفنانة منال الضويان التي نشأت في مجمعات أرامكو بالظهران وقدمت عملاً يستحضر ذاكرة جيل كامل من العاملين في صناعة النفط، والفنان أحمد ماطر الذي تناول العلاقة بين الإنسان والطاقة من خلال أعماله المفاهيمية الشهيرة، إلى جانب أعمال للفنانين مهند شونو ومحمد الفرج وأيمن زيداني الذين قدموا قراءات فنية تستلهم الأرض والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المملكة.
العالم ينعكس في مرآة النفط
على المستوى العالمي، يضم المتحف أعمالاً لفنانين بارزين تناولوا النفط بوصفه ظاهرة حضارية عالمية، من بينهم الأمريكي دوغ أيتكن الذي وثّق آثار المدن النفطية المهجورة، والتشيلي ألفريدو جار الذي عالج مفارقات الثروة والفقر في الدول النفطية، إلى جانب أعمال لفنانين استخدموا النفط ومشتقاته وزيوت المحركات بوصفها مواد فنية للتعبير عن العلاقة المعقدة بين الإنسان والطاقة.
أكثر من متحف.. مساحة للتفكير
من أبرز ما يميز المتحف أنه يختلف جذرياً عن أشهر متاحف النفط التقليدية في العالم، سواء في الولايات المتحدة أو النرويج أو غيرهما. فبينما تعتمد تلك المتاحف على المعدات والوثائق والنماذج الهندسية، يختار متحف الذهب الأسود أن يجعل الفن المعاصر أداته التفسيرية الرئيسة، ليقدم تجربة فكرية وثقافية تتجاوز السرد التاريخي المباشر نحو التأمل والحوار وإعادة طرح الأسئلة.
ولا تتوقف رسالة المتحف عند معروضاته الحالية، إذ سيستضيف معارض سنوية مؤقتة وبرامج تعليمية موجهة لمختلف الفئات العمرية، إلى جانب مساحات مخصصة للفنون المعاصرة والعروض المرئية والوسائط المتعددة، وقاعات للمؤتمرات والفعاليات، ومرافق تعليمية واستشارية، إضافة إلى متجر ثقافي ومقهى يثريان تجربة الزوار ويجعلان من المتحف وجهة ثقافية متكاملة.
الثقافة بوصفها نمط حياة
يأتي المشروع ضمن مستهدفات برنامج جودة الحياة في رؤية السعودية 2030، وتحت مظلة مبادرة «المتاحف المتخصصة» التي أطلقتها وزارة الثقافة بهدف تطوير متاحف نوعية تقدم محتوى معرفياً وإبداعياً يعكس ثراء المشهد الثقافي السعودي، ويسهم في ترسيخ مفهوم «الثقافة نمط حياة» عبر استقطاب العائلات والطلاب والسيّاح والمهتمين بالفنون والمعرفة.
ويندرج المتحف ضمن حراك ثقافي واسع تشهده المملكة خلال السنوات الأخيرة، شمل إطلاق مؤسسات ومشروعات ثقافية كبرى، من بينها بينالي الدرعية للفن المعاصر، وبينالي الفنون الإسلامية في جدة، ومشروعات المتاحف الجديدة التي تستهدف تعزيز حضور المملكة على الخريطة الثقافية العالمية.
لماذا يستحق الزيارة؟
لعل أهم ما يقدمه المتحف أنه لا يمنح الزائر معلومات جديدة فحسب، بل يفتح أمامه طريقة مختلفة لفهم العالم. فهو يشرح كيف أسهم النفط في بناء الحضارة الحديثة، وكيف أثّر في الاقتصاد والسياسة والثقافة والعمران، وكيف أصبحت الطاقة جزءاً أصيلاً من قصة الإنسان المعاصر.
ومن خلال الفن، تتحول هذه القضايا المعقدة إلى تجربة إنسانية وفكرية قادرة على مخاطبة المتخصص والقارئ العادي في آن واحد. فبدلاً من الأرقام الجامدة والتواريخ المجردة، يجد الزائر نفسه أمام قصص وصور وأسئلة تدفعه للتأمل في الماضي والحاضر والمستقبل معاً.
سردية سعودية للعالم الحديث
في زمن تتسابق فيه الأمم على حفظ ذاكرتها وصياغة روايتها الخاصة للعالم، يأتي متحف الذهب الأسود ليقدّم سردية سعودية جديدة عن إحدى أكثر المواد تأثيراً في التاريخ الحديث. إنه مكان يلتقي فيه الفن بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل، والإنسان بالطاقة.
ومن يزره لا يكتشف قصة النفط فحسب، بل يكتشف كيف يمكن لمورد طبيعي أن يتحول إلى قوة صنعت مدناً وأحلاماً ومسارات حضارية ما زالت آثارها تتردد في العالم حتى اليوم. وبين جدرانه لا تُعرض قصة المملكة مع النفط بوصفها فصلاً من الماضي، بل باعتبارها رحلة مستمرة نحو المستقبل، تُروى بلغة الفن وتُقرأ بعيون الثقافة.