فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
في ذلك المساء الربيعي الجميل، سنحت لي الفرصة لزيارة متحف البترول في مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (KAPSARC). يروي هذا المتحف القصة التي كوّنتها الطبيعة بحكمة الخالق، ليعيشها العالم منذ اكتشاف البترول إلى يومنا الحاضر، بصفته أهم محرك ومؤثر ومسيّر لعالمنا وحياتنا واقتصادنا. ما يميز (متحف الذهب الأسود) هو أنه (بيت الفنّ) الذي تبنى الفنّ بصوره وأنواعه ويعد أول متحف من نوعه وحجمه يتمحور حول إبراز دور تأثير النفط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي عبر الفن، وليس جوانبه الصناعية أو العلمية فقط. حتى صار رواية يحكيها التاريخ. وتعكس قصصه أكثر من ثلاثمائة وخمسين عملاً فنياً عالمياً حديثاً ومعاصراً، من ثلاثين دولة أبدعها ما يتجاوز مائة وسبعون فناناً رائداً، إضافة إلى أعمال فنية مركبة، وصور ووثائق تاريخية تروي تاريخاً امتد ملايين السنين، بطلها النفط والإنسان، وجسرها بينهما الحوار المتناغم الذي ظل إلى يومنا هذا وسيظل قائما بينهما ما دامت البشرية.
يمتد العرض عبر أربع محطات تسرد تاريخ الذهب الأسود، بدءاً بـاللقاء مع البدايات: «حين حفر النفط مكانته في تاريخ البشرية، من أعمق أغوار الأرض إلى أرفع مراكز القرار».
المحطة الأولى- (اللقاء): يتناول هذا القسم أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، ورحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع. ويشمل عدة أعمال فنية، من بينها: تركيبة رقمية غامرة حول (طحالب الدياتوم)، ونموذج للمقياس الزمني الجيولوجي يوضح تكوّن النفط، وأشكال الحياة القديمة وأدوارها. كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية حول استخدام الحضارات القديمة للنفط، ومنهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.
المحطة الثانية (الأحلام): يعرض هذا القسم تحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذي أحلام التقدم والحداثة والوفرة. ويستكشف دوره في إنشاء مواد جديدة، وثقافة استهلاكية سائدة، وتسهيل الحياة الحديثة، موضحاً كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط (خفية) لكنها أساسية في الحياة اليومية.
المحطة الثالثة- (الشكوك): يبحث هذا القسم الوعي المتزايد بتبعات استخدام النفط والنزعة الاستهلاكية، ومفارقة الاعتماد عليه. ويدعو إلى التفكير النقدي في تأثير النفط على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفنّ وحراك الناشطين، والأبحاث متعددة التخصصات في أحضان مركز أبحاث عالمي.
المحطة الرابعة- (الرؤى): تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط، ويشترك من خلاله فنانون وباحثون في التصور المستمر لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفنّ كمنصة للنقاش حول تحوّل الطاقة.
الصالة الخامسة - أو المحطة الخامسة، فهي (المعرفة)، تماشياً مع مسميات (متحف الذهب الأسود)، هي ما تخيلته بعد زيارتي للمتحف. حيث يقع المتحف بين أحضان مركز أبحاث عالمي متخصص في أبحاث اقتصاديات الطاقة والاستدامة، وفي هذه الأيام نرى أهمية ذهبنا الأسود بأنواعه على عالمنا المعاصر، وارتباط حياتنا بإمداداته، ومكانتنا في هذا البلد الذي أنعم المولى عليه بهذه الثروة التي كانت أساساً مهماً في تطور وتقدم مسيرتنا العالمية وعلاقتنا بعالمنا وعلاقة العالم بنا.
أرجو وأتمنى أن تكون وتبقى الصالة الخامسة أو المحطة الخامسة (المعرفة)، حيَّة ومستدامة، وأعني بذلك عروضاً فنية مستدامة تحاكي أوضاع الساعة وما يطرأ على ذهبنا الأسود من أحداث عالمية، وأن تكون محاضرات تدعم التحركات في سياسات الطاقة وتأثيرها على مجتمعنا والمجتمع العالمي. كما أرجو أن يشع هذا المعرض بأسلوب (أراموكياً) الذي نتذكره عندما كانت حافلة أرامكو (قافلة النفط) تجوب الوطن لتعريف المواطن السعودي برسالتها وتاريخها.
وهنا لي مداخلات ربما تجد مكانها في هذا السياق بالنسبة لذهبنا الأسود وتاريخه: لقد كان لي شرف التواجد في معية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - تغمده المولى بواسع رحمته وغفرانه - عندما احتفلت أرامكو بيوبيلها الماسي في المنطقة الشرقية، وكانت لي مشاركة بمقال أصر الصديق المرحوم محمد الوعيل على نشره في جريدة اليوم تحت مسمى (اليوبيل الماسيّ الأخضر). كما كان لي أمل بأن يحتضن مقترحي الأخوة في أرامكو بأن تنال تلك الذكرى الاهتمام، وذلك بترميم بيت الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- في منطقة (خزام) بالمنطقة الغربية بجدة، حيث وقعت اتفاقية الامتياز للتنقيب عن البترول في السعودية في 29 مايو 1933م بين حكومة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وشركة (ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا). وقد مثّل الجانب السعودي في توقيع هذه الاتفاقية التاريخية وزير المالية آنذاك عبد الله السليمان، بينما مثّل شركة (سوكال) الأمريكية المفاوض (لويد هاملتون)، ليقام معرض عن تاريخ النفط بتلك المناسبة.
ختاماً، ذكريات أعادها تاريخ الوطن الغالي والنفط، وحركتها مشاعر الفخر بما رأيته من نوعية عالية شاركت فيها وأبدعت الزميلة والصديقة منى خزندار. وهنا أعيد الأمل بعد زيارتي لمعرض (متحف الذهب الأسود) في أن نعرّف المواطن -كما ذكرت- بحافلات أرامكو وندعوه لزيارة المتحف، وكذلك تبنى ترميم (قصر خزام) ليضم كل ما يتعلق بالاتفاقية وتاريخها.
ربما كان هناك توجه وتنسيق من القائمين على أن يتبنى المتحف ما قدمته من مقترح، وهذا ليس ببعيد تحقيقه على يد سمو وزير الطاقة ورئيس أرامكو ووزارة الثقافة، لتكتمل منظومة التعريف والتذكير لثروتنا الدائمة ألا وهي إنسان الوطن! بثروتنا الكونية التي حبانا الله بها (الذهب الأسود)!