ناصر بن فريوان الشراري
لا يمكن لقارئ المشهد التنموي والرقابي في المملكة العربية السعودية أن يخطئ القفزات الاستثنائية التي تحققها الهيئة العامة للغذاء والدواء، فالمسألة لم تعد تقتصر على منظومة تفتيشية تقليدية بل تحولت إلى سيادة رقابية استباقية تضع صحة الإنسان وأمنه الحيوي فوق كل اعتبار على ثرى هذه البلاد المباركة، وخلف هذا التطور المتسارع والتحول الهيكلي تقف رؤية حكيمة من لدن قيادتنا الرشيدة -أيدها الله- التي ذللت كافة الصعاب كي تقوم الجهات الرقابية بأدوارها المناطة بها، وهو ما يتبدّى جلياً في المتابعة الدقيقة والجهود الحثيثة لمعالي الرئيس التنفيذي الأستاذ الدكتور هشام بن سعد الجضعي الذي قاد الهيئة بكفاءة علمية وإدارية فذة محولاً التحديات التشغيلية إلى فرص ريادية، حيث حرص معاليه على مأسسة الابتكار ونقل الهيئة من مفهوم الرقابة الميدانية الاعتيادية إلى الرقابة الذكية المستدامة عبر الاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري السعودي وتمكين الكوادر الوطنية الشابة من قيادة دفة التغيير التقني، فلم تعد الهيئة تترقب وصول الشحنات لتفحصها فحسب بل أصبحت ترسم الخرائط الاستباقية للمخاطر وتؤصل لبيئة عمل جاذبة ومستقرة تلتقي فيها الصرامة النظامية بالمرونة الرقمية الفائقة.
ويأتي المنجز الاحترافي الذي سُجل مؤخراً في موسم الحج عبر خدمة «راصد» ليؤكد هذه الفلسفة القيادية، وهي الخدمة التي ولدت من رحم معمل الذكاء الاصطناعي «سيل» بالهيئة العامة للغذاء والدواء وبكوادر سعودية خالصة، لتعكس ترجمة عملية للرغبة الفعلية في توظيف التقنيات المتقدمة لخدمة المهام العملية أينما تكون الهيئة، حيث تتجلى الدقة التخصصية لهذا المنجز في تفكيك معضلات الرقابة الدولية عبر معالجة وحوكمة أكثر من خمسين لغة عالمية للأدوية وجسر الفجوة بين المسميات التجارية والتركيبات العلمية الفعالة، واختزال وقت التحقق بنسبة مرتفعة جداً بلغت ثمانية وتسعين بالمئة مما وفر أكثر من ألف وخمسمائة ساعة عمل ميداني وتحويل القرار الرقابي إلى قرار فوري مدعوم بالبيانات الضخمة، فضلاً عن التواجد اليقظ بالمنافذ والتصدي للمؤثرات الدوائية من خلال الفحص الذكي الصارم للأدوية المصاحبة للمسافرين صوناً لأمن حشود ضيوف الرحمن.إن هذا التناغم الفريد بين الحس الاستشعاري اليقظ لمفتشي الهيئة في المنافذ والمصانع وبين العقل الاصطناعي المبتكر الذي ركزت على وجوده الإدارة التنفيذية، يبرهن على أن المملكة تدير منظومتها الرقابية بأعلى مستويات الجودة والريادة التقنية عالمياً، وهي منظومة متكاملة تشهد بأن الأمن الغذائي والدوائي في وطننا الغالي في ظل وجود الهيئة العامة للغذاء والدواء بات نموذجاً دولياً فريداً يحتذى به تحت مظلة رؤية طموحة وعقول وطنية ملهمة لا تعرف المستحيل.