د. حسين علي غالب بابان
بعد عملٍ شاقٍّ استمرَّ أكثر من شهرٍ كامل، لم يجدوا شيئًا يُذكر سوى التراب في منتصف الصحراء الجرداء، وقد أنفقوا مبالغ طائلة مقابل ما قاموا به، فعاد الشبان الثلاثة إلى بيوتهم وكلُّ واحدٍ منهم يشتم الآخر بأبشع الشتائم وفي داخلهم براكين قابلة للانفجار بسبب خسارتهم المؤلمة ،ولأنهم ببساطة حفروا بحثًا عن آثارٍ طوال هذه المدة الطويلة، فقد اطّلعوا على قصصٍ وتعليقاتٍ في مواقع التواصل الاجتماعي تذكر أن هذه المنطقة تحديدًا التي حفروا فيها مليئة بالآثار التاريخية الثمينة فصدّقوا ما كُتب وعلى أساسه تحركوا نحو أمرٍ مجهول. أنا أعرف عن منقّبي الذهب، وهذه المهنة تحتاج إلى تعليمٍ ودرايةٍ ومعداتٍ وأجهزة كشف معادن خاصة إضافةً إلى فحص نوع التربة، وتُعدُّ عملًا شاقًّا مقابل الحصول على القليل من ذرات الذهب الخالص.
أمّا الدفائن والكنوز والآثار وكل القصص المتعلقة بها فهي من وحي الخيال والإشاعات، وبمجرد سماعها يدرك المرء أنها بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق.
مع ذلك أجد كل يوم مجموعةً تعلن صراحةً أنها ستذهب وتعمل ليلًا ونهارًا بحثًا عن دفائن ثمينة وكنوز من «الياقوت والمرجان»، والنهاية معروفة ولا حاجة إلى ذكرها.
كذلك نقرأ عن تعدياتٍ صارخةٍ تحدث في دولٍ كثيرة بالقرب من أماكن تاريخية معروفة وغنية عن التعريف، وقد تعب رجال الشرطة من إلقاء القبض على مرتكبيها كل يوم، ويتوقع الباحثون أنهم سيجدون بالقرب من تلك المواقع التاريخية قطعةً أثريةً لا تُقدَّر بثمن، وهؤلاء حقًّا مساكين فالبحث عن الآثار كما هو معروف، يتطلب كوادر بشريةً كبيرةً من العمال المحترفين وخبراء الآثار ومعداتٍ ثقيلةً للحفر والنقل، وليس شخصين أو ثلاثةً يحفرون بأدواتٍ خاصةٍ بعمال البناء..!!
لنفترض أنه بعد البحث تم اكتشاف آثارٍ أو كنزٍ وحصل عليه مجموعةٌ من الباحثين، فهل يعلم الجميع صغيرهم قبل كبيرهم أن أي شيءٍ مدفونٍ في الأرض من آثارٍ أو كنوزٍ يُمنع بيعُه أو شراؤه أو نقله وفقًا للقوانين والاتفاقيات الدولية إلا في حالاتٍ محددةٍ ومعلنة بين الحكومات، أن الاتجار به أو تهريبه يُعد جريمةً يعاقب عليها القانون بالسجن لعدة سنوات.
إن كل هذا ناتجٌ عن الفراغ الفكري لدى البعض، إذ يبحثون عن الثراء الفاحش السريع عبر طرقٍ خياليةٍ لا أساس لها على أرض الواقع لا من قريبٍ ولا من بعيد، رافضين مواجهة مجريات الحياة المتسارعة والتغلب على مصاعبها من خلال العمل والاجتهاد.
** **
- أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا