صبحي شبانة
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائماً بإعلان رسمي، ولا تنتهي باتفاق واضح، بل كثيراً ما تتسلل إلى ساحات الصراع على هيئة رسائل متبادلة، وضربات محسوبة، وتصريحات متوترة، وتحركات عسكرية تبدو أحياناً وكأنها استعراض قوة أكثر منها رغبة حقيقية في الانفجار الكامل، ولهذا تبدو المواجهة القائمة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وكأنها تقف في منطقة رمادية غامضة، ليست سلماً كاملاً ولا حرباً شاملة، بل حالة معلقة بين الاثنين، حالة يتعايش فيها البارود مع الحسابات الباردة، ويختلط فيها الردع بالخوف، والتصعيد بالرغبة العميقة في تجنب الانهيار الكبير.
فالمنطقة تعيش منذ سنوات طويلة على إيقاع هذا النوع من الصراعات المؤجلة، حيث الجميع يلوّح بالحرب، لكن الجميع أيضاً يخشاها، الولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لن تكون نسخة مكررة من الحروب التقليدية التي خاضتها في العقود الماضية، فإيران ليست دولة معزولة يسهل إسقاطها خلال أسابيع، بل دولة بنت خلال عقود شبكة معقدة من النفوذ والتحالفات والقدرات العسكرية غير التقليدية، تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وتمتلك أدوات متعددة تستطيع من خلالها تحويل أي مواجهة واسعة إلى استنزاف طويل ومكلف.
وفي المقابل تدرك إيران أن الدخول في حرب مفتوحة مع واشنطن وتل أبيب قد يهدد بنية الدولة نفسها، ويضع الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً تحت ضغوط قد لا يحتملها المجتمع الإيراني لفترة طويلة، ولهذا تبدو طهران حريصة على إبقاء المواجهة ضمن سقف معين، تصعّد حيناً، وتحتوي حيناً آخر، وتبعث برسائل القوة دون أن تذهب إلى النقطة التي يصبح معها التراجع مستحيلاً، أما إسرائيل، فهي ربما الطرف الأكثر قلقاً والأكثر اندفاعاً في الوقت نفسه، فمنذ سنوات تعتبر تل أبيب أن المشروع الإيراني هو التهديد الاستراتيجي الأكبر لمستقبلها، ليس فقط بسبب البرنامج النووي الإيراني، بل بسبب ما تعتبره تمدداً إيرانياً في محيطها الإقليمي عبر الحلفاء والميلشيات والقوى المسلحة المنتشرة في أكثر من دولة عربية، ولذلك فإن إسرائيل تسعى باستمرار إلى نقل المعركة بعيداً عن حدودها، عبر الضربات الاستباقية والاغتيالات والضغط السياسي والعسكري، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الحرب الكبرى قد تجعل جبهاتها الداخلية مكشوفة بصورة غير مسبوقة.
هنا تحديداً تتشكل طبيعة هذه الحرب المبهمة، فهي ليست سلاماً لأن الدم يُراق، والصواريخ تُطلق، والقواعد تُستهدف، والممرات البحرية تُهدد، وليست حرباً شاملة لأن جميع الأطراف ما زالت تتحرك وفق حسابات تكتيكية تمنع الانفجار الكامل، إنها أشبه بحرب تُدار بالعقل البارد أكثر مما تُدار بالغضب، حرب تقوم على اختبار الآخر، وقياس ردود الأفعال، وتحريك الأوراق دون إسقاط الطاولة بالكامل.
لكن السؤال الأكثر عمقاً لا يتعلق فقط بطبيعة الحرب، بل بالنتائج التي تتركها على منطقتنا العربية نفسها، فكلما طال أمد هذا الصراع، ازداد استنزاف الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتحولت المنطقة تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وهنا يبرز التساؤل الذي يتردد في أذهان كثيرين: هل ما يحدث مجرد صراع حقيقي بين مشاريع متناقضة، أم أن المنطقة تُدار داخل لعبة أكبر تُستنزف فيها القوى العربية بينما تُعاد صياغة خرائط النفوذ والمصالح بهدوء؟، هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه ببساطة أو بعفوية، ولا بلغة البراءة السياسية أيضاً، لأن الواقع أكثر تعقيداً من التفسيرات الدبلوماسية، فمن المؤكد أن هناك صراعاً حقيقياً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فالتناقضات العقائدية والسياسية والأمنية بينهم ليست وهماً، والمصالح المتضاربة عميقة وحقيقية، لكن من الصحيح أيضاً أن استمرار هذا الصراع بالشكل الحالي يمنح بعض القوى الكبرى فرصاً هائلة لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، فالشرق الأوسط الذي عرفناه قبل عقود لم يعد هو نفسه اليوم، خرائط النفوذ تتغير، والهويات السياسية تتبدل، والتحالفات القديمة تتآكل، بينما تتشكل تحالفات جديدة على إيقاع الخوف من المستقبل أكثر من الرغبة في بناء مشروع جماعي مشترك، وفي قلب إعادة تشكيل المنطقة تبدو إسرائيل وكأنها تستفيد من حالة التفكك العربي غير المسبوقة، حيث انتقلت أولويات المنطقة من الصراع العربي - الإسرائيلي إلى صراعات داخلية وإقليمية متعددة جعلت القضية الفلسطينية نفسها تتراجع في سلم الاهتمامات الدولية والإقليمية.
لقد نجحت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ صورة جديدة للصراع داخل المنطقة، صورة تقوم على تقديم إيران باعتبارها الخطر الأكبر، وهو ما أدى إلى إعادة ترتيب كثير من التحالفات والحسابات السياسية، وفي المقابل استفادت إيران أيضاً من الفوضى الإقليمية لتوسيع نفوذها في أكثر من بلد عربي تحت شعارات مختلفة، مستثمرة الفراغات السياسية والانقسامات الداخلية التي ضربت عدداً من الدول العربية، وبين المشروعين، الإسرائيلي والإيراني، تبدو المنطقة العربية وكأنها تخسر جزءاً من توازنها التاريخي، لا لأن شعوبها فقدت هويتها المشتركة، بل لأن الصراعات المتلاحقة أنهكت الدولة العربية وأضعفت قدرتها على صياغة مشروع عربي جامع قادر على حماية المصالح المشتركة وصون الاستقرار الإقليمي، فالمنطقة العربية ليست مجرد جغرافيا متجاورة، بل فضاء حضاري وثقافي وإنساني تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل التاريخي واللغوي والاجتماعي، ولهذا فإن أي مشروع يقوم على تكريس الانقسامات المذهبية أو العرقية أو تحويل المنطقة إلى فسيفساء متصارعة يهدد البنية العميقة لهذا النسيج التاريخي، وهنا يكمن أحد أخطر أبعاد الصراعات الحالية، إذ لم تعد الحروب تستهدف الأرض فقط، بل تستهدف الوعي والهوية وإعادة تشكيل الإدراك الجمعي للشعوب.
ففي عالم اليوم يمكن للحروب الإعلامية والسياسية والاقتصادية أن تكون أكثر تأثيراً من الجيوش أحياناً، ويمكن لخلق الخوف والانقسام أن يحقق نتائج تعجز عنها القوة العسكرية المباشرة، ولهذا فإن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس فقط احتمال الحرب الكبرى، بل احتمال الاعتياد على حالة الانقسام الدائم، بحيث تصبح الصراعات جزءاً طبيعياً من المشهد، ويصبح غياب الاستقرار قدراً دائماً لا استثناء مؤقتاً.
ومع ذلك، فإن الحديث عن وجود مخطط كامل متفق عليه بين جميع الأطراف لاستنزاف المنطقة العربية قد يكون تبسيطاً مخلاً للمشهد، فالسياسة والعلاقات الدولية لا تُدار دائماً عبر المؤامرات المحكمة، بل كثيراً ما تُنتج الفوضى نفسها نتائج يستفيد منها الجميع بدرجات مختلفة دون أن يكونوا قد اتفقوا عليها مسبقاً، أحياناً تتصارع القوى الكبرى بصدق، لكن نتائج صراعاتها تقع فوق رؤوس الدول الأضعف التي تتحول أراضيها واقتصاداتها ومستقبل شعوبها إلى ساحات مفتوحة للخسائر، ولذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نوايا الآخرين، بل في هشاشة النظام الإقليمي العربي نفسه، وفي غياب مشروع استراتيجي عربي قادر على تقليل الاعتماد على الخارج وبناء توازنات مستقلة تحفظ مصالح المنطقة بعيداً عن الاستقطابات الحادة، فالدول القوية لا تُحمى فقط بالسلاح، بل بقدرتها على بناء اقتصاد متماسك، ومؤسسات مستقرة، وتحالفات متوازنة، ورؤية سياسية طويلة المدى.
وربما تكون المفارقة الأكثر إيلاماً أن شعوب المنطقة التي تتشابه في التاريخ والثقافة واللغة والمصير تبدو اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى، بينما تتحرك القوى الدولية والإقليمية وفق مصالح واضحة ومحددة مهما اختلفت فيما بينها، ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام العالم العربي ليس فقط كيف يتجنب الحرب، بل كيف يستعيد القدرة على صياغة نفسه كقوة حضارية وسياسية تمتلك قرارها ورؤيتها للمستقبل.
وبقراءة متعمقة للمشهد من زواياه المختلفة قد لا تكون المواجهة الحالية حرباً شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها بالتأكيد ليست سلاماً، إنها حالة طويلة من الصراع البارد الساخن، حيث تُستخدم القوة دون الذهاب إلى النهاية، وتُدار المعارك ضمن حدود تمنع الانهيار الكامل لكنها لا تمنع الاستنزاف المستمر، وربما يكون أخطر ما في هذه المرحلة أن الجميع يظن أنه يسيطر على إيقاع التصعيد، بينما يعلمنا التاريخ أن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ بخطوات صغيرة ورسائل محسوبة قبل أن تتحول فجأة إلى حرائق يصعب إطفاؤها، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع المنطقة أن تخرج من دائرة الاستنزاف إلى دائرة التوازن والاستقرار، أم أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة طويلة من الصراعات التي تُدار تحت سقف الحرب الكبرى دون أن تتوقف آثارها المدمرة على الإنسان والدولة والمستقبل؟.