وسام النجار
على ارتفاع 41 ألف قدم، تبدو الأرض أكثر هدوءًا مما هي عليه في الواقع ، تختفي الازدحامات والحدود والتفاصيل اليومية، وتظهر صورة مختلفة للعالم عالم مترابط بخيوط غير مرئية من الحركة والتجارة والاستثمار والسياحة والمعرفة. ومن نافذة قمرة القيادة، يدرك المرء أن الطيران لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح أحد أهم المحركات الاقتصادية التي تربط العالم الحديث.
خلال العقود الماضية، نجحت صناعة الطيران في تقليص المسافات بين القارات، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز التجارة العالمية، ودعم النمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم. واليوم، تقف هذه الصناعة أمام مرحلة جديدة قد تكون الأكبر في تاريخها.
فوفقًا لتوقعات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، من المتوقع أن يتجاوز عدد المسافرين عالميًا 5.2 مليار مسافر سنويًا خلال السنوات القادمة، مع استمرار النمو طويل الأجل في الطلب على النقل الجوي. وهذا يعني أن العالم سيحتاج إلى المزيد من الطائرات، والمزيد من المطارات، والمزيد من الكفاءات القادرة على إدارة هذا النمو غير المسبوق.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الطائرات التي سيتم تصنيعها أو المطارات التي سيتم افتتاحها.
السؤال هو: من سيقود هذا النمو؟
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأتمتة محور معظم النقاشات المتعلقة بمستقبل الطيران. ولا شك أن هذه التقنيات ستحدث تحولًا جذريًا في طريقة إدارة القطاع.
فالأنظمة الذكية ستكون قادرة على تحليل ملايين البيانات التشغيلية في الوقت الفعلي، والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، وتحسين استهلاك الوقود، وإدارة الجداول التشغيلية بكفاءة أعلى، ورفع جودة تجربة المسافر بصورة لم تكن ممكنة في السابق.
ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها قادرة على قيادة المستقبل يعد من أكثر المفاهيم تضليلًا في عالم الأعمال. فالتكنولوجيا متاحة للجميع.أما القدرة على توظيفها وتحويلها إلى نتائج فهي أمر مختلف تمامًا.
لقد أثبت التاريخ أن المؤسسات لا تتفوق بسبب امتلاكها للأدوات فقط، بل بسبب امتلاكها للأشخاص القادرين على استخدام تلك الأدوات بذكاء وفعالية. ولهذا بأن الميزة التنافسية لشركات الطيران خلال العقود القادمة لن تكون الطائرات ولا الأنظمة التقنية، بل القدرة على اتخاذ القرار.
نظرية سرعة القرار
ففي عالم يتغير خلال دقائق، ستتفوق المؤسسات القادرة على اتخاذ القرار الصحيح بسرعة على المؤسسات التي تمتلك موارد أكبر لكنها أبطأ في الحركة.
قد تتمكن شركة من شراء أحدث الطائرات. وقد تتمكن من الاستثمار في أفضل الأنظمة. لكن إذا كانت دورة اتخاذ القرار بطيئة، فإنها ستفقد فرصًا يصعب تعويضها.إن سرعة القرار المدعومة بالمعلومات والخبرة والانضباط المؤسسي ستصبح أحد أهم عوامل النجاح في صناعة الطيران خلال العقود القادمة.
ومن هنا تظهر أهمية التشغيل.ففي بعض الأحيان ينشغل القطاع بالحديث عن الإستراتيجيات والاستثمارات، بينما يبقى التشغيل هو العامل الحاسم في تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة.
فالرحلة الناجحة تبدأ قبل الإقلاع بساعات طويلة. وتعتمد على سلسلة مترابطة من القرارات والإجراءات تشمل التخطيط، والصيانة، والموارد البشرية، والسلامة، والعمليات الأرضية، وإدارة الحركة الجوية، وإدارة المخاطر.
كل عنصر من هذه العناصر يمثل جزءًا من منظومة متكاملة لا تحتمل الخطأ. ولهذا فإن شركات الطيران الرائدة في المستقبل لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الأساطيل، بل تلك التي تمتلك أفضل منظومة تشغيلية وأكثرها كفاءة ومرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات. لكن حتى التشغيل نفسه يعتمد على عنصر أكثر أهمية. وهو الإنسان.
ورغم كل ما يقال عن الذكاء الاصطناعي والأتمتة، فإن أكبر تحدٍ سيواجه صناعة الطيران خلال العقود القادمة لن يكون تقنيًا بقدر ما سيكون بشريًا.فالقطاع العالمي يحتاج إلى أعداد متزايدة من الطيارين والمهندسين والفنيين والمتخصصين في السلامة والتقنية وإدارة العمليات والقيادات التنفيذية.
الطائرات يمكن شراؤها. أما الخبرات فلا يمكن شراؤها بالسرعة نفسها. فالطيار يحتاج سنوات طويلة من التدريب والخبرة. والمهندس يحتاج سنوات من الممارسة والمعرفة. والقائد يحتاج سنوات من التجارب والنجاحات والإخفاقات حتى تتشكل لديه القدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف.
ولهذا فإن المؤسسات التي تنظر إلى الموارد البشرية باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا ستكون أكثر قدرة على النجاح من المؤسسات التي تنظر إليها باعتبارها تكلفة تشغيلية فقط.
إن مستقبل الطيران سيُبنى في قاعات التدريب بقدر ما سيُبنى في مصانع الطائرات. وسيُبنى في برامج تطوير القيادات بقدر ما سيُبنى في مراكز البيانات. وسيُبنى في الثقافة المؤسسية بقدر ما سيُبنى في الأنظمة الذكية. وعندما ننظر إلى المملكة العربية السعودية، نجد أن الفرصة التاريخية أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فالمملكة تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتنفذ أحد أكثر برامج التحول طموحًا في العالم من خلال رؤية 2030.
وتشهد المملكة استثمارات ضخمة في المطارات وشركات الطيران والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، ما يؤهلها لتكون أحد أهم مراكز الطيران العالمية خلال العقود القادمة بفضل القيادة الرشيدة ورؤيتها المستقبلية الواعدة.
وفي نهاية المطاف، قد تتغير الطائرات. وقد تتغير المطارات. وقد تتغير التكنولوجيا.
لكن الحقيقة التي ستبقى ثابتة هي أن الإنسان سيظل المحرك الحقيقي لهذه الصناعة. هو من يضع الرؤية. وهو من يتخذ القرار. وهو من يدير العمليات. وهو من يتحمل المسؤولية عندما تصبح الظروف أكثر تعقيدًا.
لقد نجح الطيران عبر تاريخه لأنه جمع بين العلم والانضباط والشجاعة البشرية. وسيواصل نجاحه للسبب ذاته. ففي المستقبل ، لن تكون التكنولوجيا هي العامل الحاسم.
بل الإنسان القادر على توظيفها، والقيادة التي تعرف كيف تستثمر فيها، والمؤسسة التي تدرك أن أعظم أصولها ليست ما تملكه من جماد بل ما تملكه من عقول قادرة على التأثير.