فائز بن سلمان الحمدي
في حياة الأمم لحظاتٌ فارقة لا تُقاس بما يُبنى فيها من أبراج، ولا بما يُنجز خلالها من مشروعات، وإنما بما يُغرس في النفوس من قيم، وما يُصاغ في العقول من وعي، وما يُربَّى عليه الأبناء من مبادئ تبقى حيةً عبر الأجيال. وحين يُذكر المستقبل، تتجه الأبصار عادةً إلى الخطط والبرامج والطموحات الكبرى، غير أن الحقيقة الأعمق أن المستقبل يبدأ من مكانٍ أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا؛ من بيتٍ صغير تجلس فيه أمٌّ تغرس خلقًا، وأبٌ يبني شخصية، وأسرةٌ ترسم في وجدان أبنائها أولى ملامح الطريق.
فالأسرة ليست محطةً عابرة في حياة الإنسان، بل هي التربة التي تنبت فيها جذور شخصيته، والمهد الذي تتشكل فيه رؤيته للحياة، والنافذة الأولى التي يطل منها على العالم. وفي دفء الأسرة تتفتح المشاعر، وتتكون القناعات، وتتحدد الاتجاهات، حتى ليغدو ما يُغرس في سنوات العمر الأولى أشبه بالنقش في الحجر، يبقى أثره ممتدًا مهما تعاقبت الأعوام وتبدلت الأحوال. ولذلك لم يكن عجيبًا أن تتصدر قضية العناية بالأبناء وحمايتهم من أسباب الانحراف أولويات الاهتمام المجتمعي، وأن تحظى بمكانتها المستحقة في الخطاب الديني والتربوي والوطني.
وقد جاء توجيه معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، بتوحيد خطب الجمعة في مختلف مناطق المملكة للحديث عن العناية بالأبناء ومسؤولية تربيتهم وحمايتهم من أسباب الانحراف، ليؤكد إدراكًا عميقًا لحقيقةٍ لا تقبل الجدل: أن بناء الإنسان هو أعظم مشروع تنموي، وأن حماية الأبناء ليست مسؤولية أسرةٍ بعينها، بل مسؤولية مجتمعٍ بأسره.
إن الأبناء ليسوا مجرد امتدادٍ للأعمار، بل هم امتدادٌ للرسالات والقيم والأحلام. وفي أعينهم يختبئ الغد، وعلى أكتافهم تُحمَل أمانة المستقبل. وما من أمةٍ أرادت البقاء في دائرة القوة والتأثير إلا جعلت من تربية أبنائها قضيةً كبرى لا تقل شأنًا عن الأمن والاقتصاد والتنمية؛ لأن الأوطان تُحمى بالرجال قبل الأسوار، وتنهض بالعقول قبل الموارد.
غير أن التربية ليست كلماتٍ تُقال في لحظات الوعظ، ولا تعليماتٍ تُلقى ثم يُنتظر منها أن تؤتي ثمارها. إنها عملٌ يوميٌّ دؤوب، وصبرٌ طويل، ومتابعةٌ واعية، وقدوةٌ صادقة. فالطفل لا يقرأ أخلاق والديه في الكتب، بل يقرأها في تصرفاتهما، ولا يتعلم القيم من الخطب بقدر ما يتعلمها من المشاهد التي تتكرر أمامه كل يوم. وما يراه الأبناء في البيوت يبقى في ذاكرتهم أرسخ مما يسمعونه في المجالس والمدارس.
وفي زمنٍ لم تعد فيه الحدود تحجز الأفكار، ولم تعد المسافات تمنع التأثير، أصبحت مسؤولية الأسرة أعظم من أي وقتٍ مضى. فبين يدي الأبناء اليوم عوالم كاملة تنتقل إليهم عبر شاشة صغيرة؛ تحمل إليهم المعرفة كما تحمل إليهم الوهم، وتفتح لهم أبواب الخير كما تفتح لهم منافذ الخطر. ولم يعد التحدي في وجود هذه الوسائل، بل في إعداد جيلٍ يمتلك من الوعي ما يمكّنه من التمييز، ومن القيم ما يحفظه من الانجراف، ومن الثقة ما يجعله قادرًا على اتخاذ القرار الصحيح وسط ضجيج الرسائل المتزاحمة.
إن الانحراف لا يبدأ دائمًا بخطوةٍ كبيرة، بل قد يبدأ بفكرةٍ عابرة لم تجد من يصححها، أو فراغٍ لم يجد ما يملؤه، أو عزلةٍ لم تجد من يحتويها. ولهذا فإن أعظم وقايةٍ للأبناء ليست الرقابة وحدها، وإنما بناء الحصانة الداخلية؛ حصانة الإيمان، وحصانة الوعي، وحصانة الانتماء. فحين يمتلئ القلب بالقيم، ويستنير العقل بالمعرفة، يصبح الإنسان أقدر على مقاومة ما يفسد فكره أو يزعزع مبادئه.
ومن أجمل ما يمكن أن تهديه الأسرة لأبنائها أن تمنحهم مساحةً للحوار. فكم من مشكلةٍ تفاقمت لأن صاحبها لم يجد أذنًا تسمعه، وكم من فكرةٍ منحرفة وجدت طريقها إلى عقل شاب لأنه لم يجد من يجيبه عن تساؤلاته بصدقٍ وحكمة. إن الأبناء لا يبحثون عن آباء يملكون جميع الإجابات، بقدر ما يبحثون عن آباء يملكون قلوبًا تتسع لأسئلتهم، ونفوسًا تحتوي مخاوفهم، وعقولًا ترافقهم في رحلة النمو والتشكّل.
وحين تتكامل جهود الأسرة والمدرسة والمسجد وسائر مؤسسات المجتمع، تتشكل منظومة حمايةٍ متينة تحيط بالأبناء من كل جانب، وتعينهم على مواجهة التحديات بثقةٍ واتزان. فالتربية مسؤولية مشتركة، والنجاح فيها ثمرة عملٍ جماعي؛ لأن الإنسان لا تصنعه مؤسسة واحدة، بل تصنعه بيئة متكاملة تتضافر فيها الأدوار وتتحد فيها الغايات.
وفي النهاية، تبقى العناية بالأبناء أسمى استثمارٍ يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه ومجتمعه. فالأموال تفنى، والمناصب تزول، والإنجازات المادية مهما عظمت يبقى أثرها محدودًا، أما الإنسان الصالح الواعي فإنه أثرٌ يمتد، ونورٌ يتوارثه الناس جيلًا بعد جيل.
وإذا كانت الأمم تفتخر بما تتركه من آثارٍ على الأرض، فإن أعظم آثارها على الإطلاق هو ذلك الجيل الذي يحمل قيمها، ويحفظ هويتها، ويواصل مسيرتها بثباتٍ واقتدار.
فالأبناء ليسوا أبناء اليوم فحسب، بل صنّاع الغد، وحملة الرسالة، وورثة المجد. ومن أحسن غرسهم اليوم، حصد أمنًا واستقرارًا وازدهارًا غدًا؛ لأن مستقبل الأوطان يبدأ دائمًا من الأسرة، وتنطلق نهضتها الحقيقية من حيث تتشكل النفوس قبل أن تُشاد الأبنية.