د. إبراهيم بن جلال فضلون
كم مرة شاهدنا فيها الاقتصاد العالمي يترنح على حافة الهاوية، مدفوعاً بقرارات سياسية في عواصم متباعدة؟، فقد قال أحمد زكي اليماني، وزير البترول السعودي الأسبق الذي قرأ أسواق النفط في القرن العشرين: «إن التحولات الكبرى في قطاع الطاقة لا تنتج عن نضوب الموارد، بقدر ما تنبع من تغيّر أنماط الاستخدام والتطور التكنولوجي».. وما قاله اليماني قبل عقود بات اليوم نصف الحقيقة فقط، لأن الجزء الآخر منها يُكتب الآن بلغة القنابل والصواريخ ودوّي الأسواق المالية في ليل طويل قد لا ينتهي قريباً!، فالتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران ليست مجرد «أزمة أخرى» في الشرق الأوسط، بل هي اختبار حاسم لقدرة العالم على تحقيق تنوع حقيقي في مصادر الطاقة وفي هيكله الاقتصادي، فلم يعد الاقتصاد العالمي يُعاني من أزمة طاقة تقليدية، بل دخل فيما وصفته منظمة أوابك بـ «أزمة مركبة تضرب منظومة الطاقة العالمية في عمقها»، وهو توصيف أقل ما يُقال عنه أنه دقيق ومُقلق في آن واحد!
54 كيلومتراً.. تُقرر مصير العالمي: لم يكن اليماني وحده من يُدرك حساسية هذا الممر الاستراتيجي؛ فقبله بعقود قال الاقتصادي جون مينارد كينز إن «الأسواق لا تتحرك دائماً وفق المنطق الاقتصادي البحت»، وما نراه اليوم هو أجلى تجليات هذه المقولة، إذ لم تنتظر الأسواق أن تُغلق البوارج الإيرانية المضيق بالكامل كي تُصاب بالهلع، بل أشعل مجرد التهديد النار في كل شيء دفعةً واحدة!.
والأرقام تتكلم بعنف: فقد قفز خام برنت إلى 103.23 دولاراً للبرميل في 13 مارس 2026 مقارنةً بـ70.82 دولار قبل اندلاع الأزمة، بينما وصل خام التصدير الكويتي إلى مستوى مُذهل بلغ 153.22 دولاراً للبرميل مقارنةً بـ68.7 دولار قبلها، في حين بلغت بعض الخامات في ذروة التوترات ما يتجاوز 153 دولاراً للبرميل، وهي أسعار لم يشهدها العالم منذ عقد ونصف كامل، مما جعل مؤشر «VIX» لقياس الخوف في الأسواق الأمريكية يرتفع بأكثر من 25 % في أسابيع قليلة، بينما تحوّل الذهب إلى ملاذ للهاربين من وهج النيران، إذ تجاوزت أونصته في بعض التداولات 4400 دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 6000 دولار إذا طال أمد الصراع وفقاً لتقديرات المؤسسات المالية العالمية!
من يدفع ثمن هذا الجنون؟!: يقول صندوق النقد الدولي بوضوح لا لبس فيه: كل ارتفاع 10 % في أسعار الطاقة يرفع معدل التضخم العالمي بين 0.4 و0.6 نقطة مئوية في ظروف الاستقرار النسبي، فكيف بنا في ظل ارتفاعات تجاوزت 40 % عن متوسطات ما قبل الأزمة؟!.
والأسوأ أن هذه الضربة التضخمية تأتي بعد إرهاق ما بعد جائحة كوفيد-19 وتبعات أزمة الطاقة الأوروبية، فقد كشف البنك الدولي أن إجمالي الديون الخارجية لدول الدخل المنخفض والمتوسط بلغت مستوى قياسياً قدره 8.8 تريليون دولار مع نهاية 2023، وارتفعت مدفوعات فوائدها بنحو الثلث لتصل إلى 406 مليارات دولار!، وحين يُصبح كل هذا الثقل هو الخلفية، وتأتي حرب تُغلق هُرمز، يكون السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس «كم سترتفع الأسعار؟»، بل «كم من الدول يمكنها أن تتحمل ما سيأتي؟!»، لاسيما وأن تقديرات صندوق النقد الدولي المحدّثة تقول إن توقعات النمو العالمي لعامَي 2026 و2027 تتراوح بين 1.4 % و2.6 % في أحسن الأحوال، وبعض الاقتصادات الكبرى قد تواجه انكماشات تصل إلى نحو 10 %، وفقاً لقدرتها على امتصاص صدمات الأزمة، فيما ارتفعت تكاليف التأمين البحري والشحن في الخليج بنسب تتراوح بين 20 % و35 % في أقل من شهر، وهو ما يُضاعف تكاليف كل بضاعة تُشحن في كل مكان في العالم!
السعودية وذكاء الأنابيب!: في هذا المشهد المضطرب، أبدت السعودية قدرةً لافتة على إدارة الأزمة بما يُشير إلى عمق التخطيط الاستراتيجي الذي سبق الأحداث، إذ نجحت في الاستغناء عن مضيق هرمز، باستعانتها بخط أنابيب يربط الشرق بالغرب ويمتد من حقول النفط حتى ساحل البحر الأحمر، مما مكّنها من ضمان استمرارية تدفق إمداداتها لعملائها دون انقطاع يُذكر، وهو ما دفع وكالة «ستاندرد آند بورز» إلى الإبقاء على التصنيف الائتماني السيادي للمملكة عند المستوى المرتفع «A+/A-1». بينما نجد هناك خريطة جديدة تُرسم في الشرق الأوسط بشكل جذري، فالمنطقة لن تخرج منها كما دخلت إليها، بل ستخرج مختلفة في موازين القوى والتحالفات والشراكات!، فأوروبا التي عانت من صدمة الطاقة الروسية-الأوكرانية تجد نفسها الآن في منافسة شرسة مع آسيا على كل شحنة غاز مسال تُصدّرها قطر، وهو ما يرفع قيمة التموضع الخليجي كمورد استراتيجي لا غنى عنه في معادلة الأمن الطاقوي العالمي، بينما تسارع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند إلى سحب مخزوناتها الاستراتيجية في إطار خطة وكالة الطاقة الدولية لسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات العالمية التي بلغت 2.5 مليار برميل بنهاية 2025!
مأزق البنوك المركزية!: ثمة حقيقة يتحاشى كثير من المحللين مواجهتها بصراحة: السياسة النقدية العالمية وصلت إلى نقطة عمياء لم تقف عندها منذ عقود!، من رفع الفائدة لمحاربة التضخم؟ لمهاترات الإدارة الأمريكية، هذا صحيح إذا كان التضخم ناتجاً عن فائض في الطلب، لكن حين يكون التضخم قادماً من صدمة في جانب العرض وارتفاع تكاليف الطاقة، فإن رفع الفائدة يُضيف جرحاً على جرح، يرفع كلفة الاقتراض، يُثبّط الاستثمار، ويُبطئ النمو، دون أن يهدّئ الأسعار، لاسيما مع منشورات تروث سوشيال المتضاربة، وهذا بالضبط ما يحدث الآن، إذ تسير البنوك المركزية على حبل مشدود بين كبح التضخم الذي يقترب من تجاوز المستهدفات في معظم الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وبين دعم نمو اقتصادي يترنح تحت وطأة الصدمات الجيوسياسية، وهو ما يجعلها تلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ «إدارة الوقت»، أي الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة أطول ممّا ينبغي، على أمل أن تهدأ الأمور قبل أن تظهر الكوارث الجانبية!
دوام الحال من المحال.. أين نحن غداً؟!: قال السلف: «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، ومن الثابت أن دوام الحال من المحال، وهذه الحكمة البالغة تنطبق على الأزمات الكبرى كما تنطبق على الارتفاعات الكبيرة!، لكن السؤال الأعمق هو: ماذا يتبقى بعد انتهاء كل ذلك، لأجيال تُبنى في مناخ عدم اليقين؟. فوفق تقديرات معهد الشرق الأوسط ووكالات التصنيف الدولية، كل شهر إضافي من استمرار الصراع يُكلّف الاقتصاد العالمي خسائر تراكمية تُقدَّر بمئات المليارات، فيما تتسع الهوة بين الدول القادرة على امتصاص الصدمة والدول الهشة التي يمكن أن تتحوّل هذه الأزمة بالنسبة لها إلى كارثة إنسانية واجتماعية قبل أن تكون اقتصادية!
وقفة: النيران تُشعل الأسواق.. لكن الأسواق لا تُطفئ النيران. والحل الوحيد يبقى سياسياً قبل أن يكون اقتصادياً، وإلا فإن فاتورة هذا الجنون ستُدفع طويلاً.. من جيوب من لا ذنب لهم في اشتعاله!. فهل تسمعها يا أمة العرب ويا قادة المنطقة؟.
هل ندرك أن الاستقرار الإقليمي ليس رفاهيةً سياسية بل ضرورة اقتصادية وجودية تمسّ رغيف المواطن قبل أن تمسّ حسابات الموازنات؟!. وهل نفهم أن قوة الاقتصاد ليست في ارتفاع أسعار النفط حين تشتعل الحروب، بل في القدرة على البناء حين تُطفأ نيرانها؟.