د.عيد بن حجيج الفايدي
أُسِّست المكتبة الرقمية السعودية عام 2010م تحت إشراف المركز الوطني للتعليم الإلكتروني التابع لوزارة التعليم، بوصفها مشروعاً وطنياً إستراتيجياً يهدف إلى بناء مكتبة رقمية ضخمة ومتطورة تدعم العملية التعليمية وتلبّي احتياجات المستفيدين في مؤسسات التعليم العالي بالمملكة.
انطلق المشروع من رؤية جوهرية مفادها أن المؤسسات الأكاديمية السعودية لا تستطيع منفردةً تحمّل تكاليف الاشتراك في قواعد البيانات العالمية، فجاءت المكتبة لتكون المظلة الجامعة والمفاوض الموحد أمام الناشرين الدوليين، محقّقةً بذلك عدالة معرفية بين الجامعات الكبرى والناشئة على حدٍّ سواء. تمثّل المكتبة اليوم أضخم تجمّع لمصادر المعلومات الرقمية في العالم النامي؛ إذ تضم أكثر من نصف مليون كتاب رقمي بنصوصها الكاملة، و169 قاعدة معلومات عالمية وعربية، وأكثر من 5.2 مليون رسالة جامعية، وما يزيد على نصف مليون وسيط متعدد من صور وأفلام علمية، وإجمالي مواد يتجاوز 200 مليون مادة معلوماتية مستقاة من أكثر من 300 ناشر عالمي، في مقدمتهم Elsevier وSpringer وWiley وTaylor الجزيرة Francis، كأكسفورد وهارفارد ويَيْل.
وفي شبكة المعلومات، يتباين النموذجان الكبيران بين منصة «أرشيف الإنترنت» الذي يسعى إلى حفظ كل شيء دون انتقاء، والمكتبة الرقمية السعودية التي تنتهج الانتقاء الأكاديمي المحكم. وإذا قارنّت بمنصات كذات العمق التاريخي وProQuest الغنيّة بتنوعها والمرتفعة بتكاليفها، وElsevier ScienceDirect الحديثة في أبحاثها المتخصصة في العلوم الطبيعية، تبرز المكتبة الرقمية السعودية بميزة فريدة: أنها تجمع مزايا هذه المنصات كلّها تحت سقف واحد وبتكلفة موحّدة، مما يضعها في مكانة ريادية بين الدول، وقد تحوّلت المملكة من مستهلك للمعرفة إلى بانٍ لتجمّعات معرفية تنافس المنصات الغربية في التنظيم والخطوات الأكاديمية. غير أن هذا الحجم الضخم لا يعني الكمال، إذ تعاني المكتبة من إشكاليات تستوجب المعالجة الصريحة. يُشكّل الاعتماد شبه الكلي على الاشتراكات المدفوعة مع الناشرين الدوليين هشاشةً استراتيجية جوهرية؛ فالمكتبة رهينة تجديد العقود السنوية ومعرّضة لمخاطر رفع الأسعار أو انقطاع الخدمة، دون امتلاك محتوى مستدام مملوك بالكامل للجهة الوطنية. وإلى جانب ذلك، تعمل المكتبة عبر محركات بحث متعددة ومتفرقة - من بينها «شمسون» - مما يسبّب ارتباكاً للمستخدمين ويضعف الهوية المؤسسية؛ فغياب محرك بحث واحد باسم المكتبة الرقمية السعودية يشتّت التركيز ويقلّل الاستخدام الفعلي. ولم يطرأ تغيير جوهري على واجهة الموقع منذ انطلاقته، مما يجعل تجربة المستخدم دون مستوى المعايير الحديثة، ولا سيما للباحثين في الجامعات السعودية الذين يحتاجون إلى واجهة بديهية وسريعة ومتوافقة مع الأجهزة المحمولة. كذلك يهيمن المحتوى الأجنبي على واجهة المكتبة بينما يظل الإنتاج العلمي السعودي مهمّشاً، وتنحو المكتبة منحىً تقنياً طاغياً على حساب العلوم الإنسانية والاجتماعية والمواد التراثية التي تمثّل ركيزةً في الهوية الثقافية والفكرية السعودية. أما حرمان أعضاء هيئة التدريس من الوصول بعد التقاعد، فيتعارض مع مبدأ العدالة المعرفية ويُهدر خبرات وطنية ثمينة تراكمت على مدى عقود. والأشد أثراً أن الوصول اليوم يقتصر على منسوبي الجامعات، بينما يُحرم المواطنين والباحثين المستقلين والمهنيين من ثروة معرفية تموّلها الدولة.
تمثّل تحولات الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية لتجاوز هذه التحديات كلّها. التوصية المحورية هي إنشاء محرك بحث وطني موحّد باسم «المكتبة الرقمية السعودية» يحلّ محل جميع المحركات الفرعية، مدعوماً بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستوعب الاستفسارات البحثية كاملةً باللغة العربية واللغات الأخرى، وتتجاوز مطابقة الكلمات المفتاحية إلى البحث الدلالي الفاهم للمعنى والسياق، وتقترح مراجع ذات صلة بناءً على تخصص الباحث، وتلخّص الأوراق البحثية فورياً، وتربط المحتوى العربي والأجنبي في بيئة بحثية واحدة متكاملة. ويُضاف إلى ذلك بناء نظام رقمي يدمج مكتبات جميع الجامعات السعودية الحكومية والأهلية - أكثر من أربعين جامعة - ضمن واجهة موحدة مع الحفاظ على استقلالية كل مؤسسة، بحيث يصل الباحث في جامعة الجوف إلى مقتنيات جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وتُوحَّد الفهارس ويُقاس التأثير البحثي الوطني بصورة شاملة. كما يُستحسن إنشاء قسم رقمي مستقل للمحتوى الوطني والتراثي يُعنى برقمنة المخطوطات والوثائق التاريخية وأرشفة إصدارات دور النشر السعودية وبناء فهرس موحّد للدوريات العلمية المحكّمة الصادرة في المملكة. أما التوصية الأكثر جرأةً وأثراً، فهي ربط المكتبة الرقمية السعودية بمنصة نفاذ - النفاذ الوطني الموحد - التي يستخدمها المواطن السعودي للوصول إلى الخدمات الحكومية، بحيث يستطيع كل مواطن أو مقيم الدخول برقم هويته للاستفادة من محتوى المكتبة وفق مستويات متدرّجة: مستوى أساسي مجاني لملخصات الأبحاث والمحتوى التراثي، ومستوى موسّع للباحثين المستقلين والمهنيين بعضوية رمزية مدعومة، ومستوى مؤسسي كامل لمنسوبي الجامعات والمتقاعدين الأكاديميين وخريجي الجامعات السعودية.
هذا التحول يُجسّد معنى العدالة المعرفية الحقيقية ويتوافق مع مستهدفات رؤية 2030 في بناء مجتمع المعرفة. على الصعيد الإجرائي، يمكن تقسيم مسار التطوير إلى ثلاث مراحل متتالية: تبدأ المرحلة الأولى خلال العام الأول بإطلاق مبادرة إعادة التصميم الشامل للموقع وتوحيد محركات البحث الفرعية وإطلاق تجربة ربط تجريبية مع منصة نفاذ، ومراجعة سياسة الوصول فوراً لتشمل الأساتذة المتقاعدين والطلاب الخريجين. وفي المرحلة الثانية خلال العام الثاني، يُطوَّر محرك البحث الدلالي المدعوم بالذكاء الاصطناعي ويُشرع في دمج مكتبات عشر جامعات كبرى ويُطلق قسم المحتوى الوطني والتراثي. أما المرحلة الثالثة في غضون أربع سنوات، فتستكمل دمج جميع مكتبات الجامعات وتطلق مساعداً بحثياً ذكياً متخصصاً لكل تخصص، وتفتح الوصول التدريجي لعامة المواطنين، وتبني شراكات دولية لتصدير النموذج السعودي.
تقف المكتبة الرقمية السعودية عند منعطف فارق: إما الاكتفاء بدورها الراهن كمستودع اشتراكي للنخبة الأكاديمية، وإما التحوّل إلى منصة معرفية وطنية شاملة تُحقق الأهداف والرؤية المعرفية في ميدان التقنية والذكاء الاصطناعي، وهنا يمكن للمكتبة أن تتحوّل إلى بنية تحتية معرفية وطنية تجمع بين العمق الأكاديمي وتفتح بوابة المعرفة للمجتمع، وتضع المملكة في قلب المشهد المعرفي العالمي - لا مستهلكةً للمعرفة فحسب - بل شريكةً في إنتاجها وتشكيل مساراتها. وهناك تساؤل لا أملك الإجابة عليه، هل يمكن لهيئة الذكاء الاصطناعي السعودي تشرف وتدير المكتبة الرقمية السعودية؟