صالح الشادي
تأملت طويلاً في تلك اللحظات التي يقف فيها إنسان على منصة، أو خلف لوحة، أو أمام آلة موسيقية، فيرسل ما في روحه، فيستقبله آخرون لا يعرفونه، فتهتز له قلوبهم وترقرق أعينهم.
كيف يحدث هذا؟ كيف تنتقل المشاعر من إنسان إلى آخر دون كابلات ولا موجات مرئية؟ كيف لكلمات كتبت في غرفة موصدة، تعبر عن وجع خاص، أن تجد طريقها إلى قلب إنسان لا يعرف كاتبها، فتهزه وتبكيه؟
في أمسيات شعرية عديدة، وفي دول مختلفة، مع جمهور مختلف اللغة والثقافة، تتكرر أمامي هذه الظاهرة: نصوص كانت مؤلمة بالنسبة لي في كتابتها، تخترق مسامع الحضور فتدمع لها عيون لا تعرف صاحب النص، وتتحبس لها أنفاس لا تعرف تفاصيل الوجع. هناك دائماً من يلتقط الموجة. هناك دائماً عين تتغير، أو نفس يتحبس، أو وجه يغالبه البكاء.
ثم تتسع الرؤية خارج الشعر. تتأمل لوحات لفنانين عظماء، ومقطوعات موسيقية خالدة، فتجد الأمر ذاته.
لوحة لفان جوخ رسمها في لحظة يأس لا تزال تنقل ذلك اليأس بعد مئة سنة. لحن لأم كلثوم غنته منذ نصف قرن لا يزال يبكي من يسمعه اليوم. هناك شيء ما ينتقل، شيء حقيقي، شيء لا يمكن تزييفه.
في جسد كل منا مليارات الخلايا، كل منها محطة استقبال وإرسال مصغرة. غشاء الخلية يستقبل الإشارات الكيميائية، والنواة ترسل الأوامر، والخلية تتواصل مع جاراتها بلغة لا تخطئها. هذا المشهد المجهري ليس مجرد وصف بيولوجي، بل هو نموذج لحقيقة أكبر: الإنسان كيان يستقبل الوجود ويرسله، من أصغر ذرة فيه إلى أوسع مدارك روحه.
لكن الإنسان أعمق من خلاياه. فيه الروح التي تستقبل الجمال دون وسيط، فتدمع العين لغيوم عابرة أو لقصيدة قديمة. تستقبل من الطبيعة فتتسع، من البشر فتهتز، من الغيب فتلهم، من الماضي فتحيا فيه. جبل عظيم يرسل إلى روحك قوة لا تعرف مصدرها. نظرة حب تخترقك دون كلمة. بيت شعر كتب قبل ألف عام يبكيك وكأنك صاحبه.
وفيه العقل الذي ليس مجرد مخزن، بل هو معمل تحويل. يستقبل المشاعر الأولية من الروح، فيحولها إلى كلمات، إلى صور، إلى أفكار. العقل المبدع هو الذي ينقل المشاعر دون أن يقتلها، يحافظ على دفئها الأصلي.
الفرق بين عمل فني خالد وآخر يموت سريعاً، هو هذا: الأول خرج من روح صادقة واستقبلته أرواح صادقة، والثاني كان مجرد صنعة باردة.
وفيه الفطرة التي هي المستقبل الأول، وهي البوصلة التي لا تنخدع. الفطرة هي التي تجعل الطفل يبتسم لأمه قبل أن يعرف معنى الأم. وهي التي تجعلك تقف أمام لوحة فتقول «هذه لا تقول شيئاً» وأمام أخرى فتقول «هذه تخترقني». الفطرة هي اللغة الأم التي لا نتعلمها، والتي لا تخوننا إلا إذا خاننا أنفسنا.
والإنسان لا يستقبل فقط، بل يرسل بكل كيانه. يرسل بروحه: هناك من يدخل مكاناً فيشعر الحاضرون بالطمأنينة، وآخر يدخل فيشعرون بالضيق، دون كلمة تقال. يرسل بنفسه: النفس السعيدة ترسل سعادة كالعدوى، والنفس المتعبة ترسل تعبها حتى في صمتها. يرسل بجسده: العين ترسل نظرات أبلغ من الكلام، واليد ترسل في المصافحة دفئاً أو بروداً، والوجه مرآة لا تكذب. يرسل بكلماته: كلمة حب في وقتها قد تغير حياة، وكلمة حق في وجه ظالم قد تخلد ذكرى.
لكن أبلغ ما يرسله الإنسان هو فنه. عندما تتحول المشاعر الصادقة إلى عمل فني، يصبح الإنسان رسولاً عبر الزمن. الفن الحقيقي ليس تلفيقاً ولا تصنعاً. الفن الحقيقي هو أن تستقبل من الوجود بعمق، ثم ترسل ما استقبلته بأمانة. الرسام العظيم لا يرسم منظراً، بل يرسم إحساسه بالمنظر. لوحته تحمل دفء اللحظة ووجعها وألقها، وتبقى هذه المشاعر متصلة بها عبر العصور، تنتظر من يستقبلها. الموسيقي العظيم لا يؤلف نغمات، بل يؤلف ما استقر في روحه من صمت تحول إلى صوت.
وهذه هي المعجزة: الفن الصادق ينقل ما لا يرى ولا يلمس. ينقل الدفء في لوحة باردة الملمس، ينقل الرائحة في قصيدة لا تشم، ينقل الوجع في لحن جميل، ينقل الراحة في صمت مطبوع على قماش. كيف؟ لأن المتلقي لديه روح تستقبل الروح، ولأن العمل الفني الصادق يصبح جسراً بين قلبين، بين روحين، بين عصرين. المشاعر الصادقة لا تموت بموت صاحبها، تبقى حية في العمل الفني، تنتظر من يستقبلها.
وها هنا السر الذي تكشفه التجربة: لسنا نحن من نخلق المشاعر من عدم. نحن قنوات. الفنان لا يصنع التأثير بقدر ما ينقل ما استقبله. والجمهور ليس متلقياً سلبياً، بل هو محطات استقبال نشطة، تلتقط الموجة إذا كانت صادقة، وتهملها إذا كانت زائفة.
كلما وقفت على منصة، أو كتبت نصاً، أو شاركت وجعاً أو فرحاً، تذكر أنك لست وحدك. هناك أرواح تنتظر ما ترسله، وقلوب ستهتز لأنها ستجد في كلماتك صدى لما في داخلها. أن نكون مرايا لبعضنا، أن نستقبل ونرسل، أن نعيش المشاعر نفسها عبر الزمان والمكان، متصلين في شبكة لا مرئية من الصدق والإحساس.
فهل أرسلت اليوم ما يستحق البقاء؟ وهل استقبلت ما يغير فيك شيئاً؟