د. أحمد محمود الخضري
مما لاريب فيه أن العربية هي خير لغات العالم وبها نزل القرآن الكريم، وهى كغيرها من اللغات، لابد أن تنال مفرداتها، ومصطلحاتها تغييرًا، وتبديلًا وتطورًا؛ بحكم اتساع مجالها، وتعاقب العصور المختلفة عليها، فمعاني الألفاظ في حركة دائمة، فمن تعميم إلى تخصيص إلى انتقال إلى رقي إلى انحطاط، ثم إن اللغة وسيلة التفكير وأداته، والفكر في حركة دائمة متوثبة، وما ينسحب على الفكر ينسحب على اللغة.
والألفاظ العسكرية، ليست بمنأى عن هذا التغير والتطور، فلكل زمان ألفاظه العسكرية، وكل لفظ له دلالته الخاصة، وقد تموت دلالات وتحيا أخرى. واللغة العربية لها رصيد ضخم من هذه الألفاظ؛ لأن العرب اهتموا بالحرب قبل الإسلام وبعده، وكانت لهم أيام غَرَّاءُ في الفتوحِ، فلا عجب أن تكثرَ في لغتهم الألفاظ العسكرية، والمترادفات الحربية.
ومن المصطلحات العسكرية التي اعتراها تغير دلالي عبر الزمن المُرْتَزِقة -بكسر الزاي- اسم فاعل من الثلاثي المزيد ارْتَزَق، يقال: ارْتَزَق الجندي وغيره : طلب رِزْقَه.
وهو مصطلح عربي محض في مبناه ومعناه، مشتق من جذر لغوي أصيل وهو (ر ز ق)، ويفيد ابن فارس أن هذا الجذر وما اشتق منه، قد وضع في أصل اللغة للدلالة على العَطَاءِ؛ إذ قال في مقاييسه [2-388]: «الراءُ والزاءُ والقافُ، أُصَيلٌ واحدٌ يدلُّ على: عطاءٍ لوقت ثم يُحْمَل عليه غير المَوقوت».
وبتتبع هذا المصطلح في بعض المصادر اللغوية والأدبية والتاريخية، ظهر لي أنه يتردد بين عدة معان من أشهرها ما يأتي:
1 - أصحاب الجِرَايات والرواتب المُقَدَّرة.
وهذا المعنى لمصطلح المرتزِقة لم أظفر به في المعجمات التراثية -فيما قرأت- سوى في تاج العروس للزبيدي [25-342]؛ إذ قال: «المُرتَزِقة : أصحاب الجِرَايات والرواتب المُوَظَّفَة».
بينما ورد ذكره في بعض المصنفات الأدبية التي دونت في القرن الرابع الهجري من ذلك قول قال القاضي التنوخي (ت384ه) في كتابه: الفرج بعد الشدة [3-266]: «وكان رسم أهل ديوان الصدقات بِكَوْر الأهواز في ذلك الحين، أن يسبب لهم بنصف أرزاقهم، ويرتفق العمال من ذلك النصف بقطعة منه، ويصل إليهم الباقي تحققًا، أو يسبب أخذه مستأنفًا؛ لضيق المال، وقلته عن أصول المُرْتَزِقة».
2 - الجُنْدُ المُفَرَّغُونَ لِلدِّفَاعِ وَخَوْضِ الحُرُوبِ، بِأَجْرٍ رَاتِبٍ مِنَ الدَّوْلَةِ، وأرزاق مقدرة وثابتة.
لم تكن ظاهرة الارتزاق معروفة في الجيش الإسلامي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم- ولا الخلفاء الراشدين من بعده، وإنما ظهرت وانتشرت في العصر الأموي والعصور التي تلته، وفي هذا الصدد وتحت عنوان (جند العرب في أيام بني أمية) يقول جرجي زيدان: «وأصبح الجند الإسلامي فئتين المرتزِقة، والمُتَطَوِّعة، وكلاهما عرب يرجعون في أنسابهم إلى قحطان وهم اليمنية، أو إلى عدنان وهو المضرية، وفيهم جماعة من الموالي والعبيد» تاريخ التمدن الإسلامي: [1-163].
وقد خلت المعجمات اللغوية التراثية من هذا المدلول العسكري بالرغم من وروده في بعض المصادر التراثية التي دونت في القرن الثاني الهجري، فمن أقدم الشواهد الدالة على استعمال لفظ المرتزقة بهذا المدلول ما ذكره أبو يوسف الأنصاري (ت182هـ) في كتابه الخراج [1-152] معلقا على رأي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في الخَرَاجِ على أَرْضِ العُنْوَةِ: «لِأَنَّ هَذَا، لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى النَّاسِ فِي الأُعْطِيَاتِ وَالأَرْزَاقِ لَمْ تُشْحَنْ وَلَمْ تَقْوَ الجُيُوشُ عَلَى المَسِيرِ فِي الجِهَادِ، وَلَمَا أُمِنَ رُجُوعُ أَهْلِ الكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ، إِذَا خَلَتْ مِنَ المُقَاتِلَةِ وَالمُرْتَزِقَةِ».
3 - الجُنْدُ المَأْجُورُ لِلْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ حَرْبِيَّةٍ وَقِتَالِيَّةٍ غَيْرِ قَانُونِيَّةٍ؛ طَمَعًا في المُكَافَأَةِ المَادِّيَّة.
وبإمعان النظر في هذا المدلول الذي لم يرد ذكره في المعجمات اللغوية التراثية؛ لكونه من الدلالات الُمْحَدَثِة التي لم يكن للقدماء بها عهد، وحفلت به أكثر المعجمات الحديثة يظهر لنا البَوْنُ الشَّاسِعُ بينه وبين سابقه؛ في كون المدلول السابق لمصطلح المرتزِقَة مقصورا على الجندي الذي يحارب في جيش دولته التي ينتمي إليها دفاعا عن وطنه ، ويتقاضى في سبيل ذلك راتبا أو أجرا، أما المرتَزِقة بالمعنى الثاني فهم جنود أو أشخاص يحاربون في جيوش غير جيوش بلادهم ويقومون بأعمال قتالية طمعاً في المكافأة المالية ، وشتان بين من يدافع عن أرضه وأمته، وبين من يكري نفسه للآخرين للقتال من أجل المال .
هذا وقد عُرِّف المُرْتَزِق حديثًا بأنه: «شخص أجنبي عن أطراف النزاع ، يتم تجنيده طوعا دون أن يكون مكلفا من دولته ؛ لكي يشارك في الأعمال العدائية بصورة مباشرة لصالح أحد أطراف النزاع بالرغم من عدم وجود رابطة تصله بالطرف المعنى الذي يستخدمه أو بالأطراف جميعاً.. لكنه يحترف القتال لأداء مهمات قتالية مقابل ما يبذل له من نفع مادي وحسب، لذلك يعد العنصر المادي حصراً إلى جانب الطابع الطوعي والخاص الخارجي للتعهد الذي يربط المرتزقة بأطراف النزاع المسلح من أهم الخصائص المميزة لتعريف الارتزاق». [القانون الدولي الإنساني، ص274]
ويمكن اختصار هذا التعريف بأن المرتزق: شخص يتم تجنيده محليًّا، أو دوليًّا ليشارك في صراع مسلح، أو عمل عدائي؛ طمعًا في المكافأة المالية.
وقد تردد مصطلح المرتزقة بهذا المعنى في الآونة الأخيرة في كثير من الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، بل أصبح عنوانًا لبعض الكتب والمؤلفات مثل: المرتزقة جيوش الظل، والمرتزقة في العراق، والمرتزقة بأوامر عليا.. وغيرها.
وقد «تفشت ظاهرة المرتزقة بشكل كبير في الثلث الأخير من القرن العشرين حتى أصبحت ظاهرة فرضت نفسها على واقع الكثير من الدول مهنة احترافية اجتذبت مئات الآلاف من الطامحين بالثروات والراغبين بتلبية نزعاتهم الإجرامية من المغامرين أو العسكريين أو الأمنيين المتقاعدين أو من المجرمين المحترفين القادمين من عصابات الجرعة الدولية المنظمة اللاهثين وراء الكسب المادي بأية وسيلة ، خاصة من الدول الأفريقية التي غادرها الاستعمار الفرنسي أو البريطاني أو من دول أمريكا اللاتينية» [المرتزقة في العرق، ص3].
ومن شواهد استعمال المرتزقة بهذا المعنى: نشرت مجلة لغة العرب العراقية في عددها الصادر 1926م [2-109]مقالا بعنوان: (الآثوريون المهاجرون في العراق)، ومما جاء فيه: «ومجموع من لجأ إلى الحدود العراقية منهم في العام الماضي، ثمانية الآلف نسمة وقد سجل منهم ألفان للخدمة في جيش المرتزِقة آخذين معهم أسرهم في المعسكرات والثكنات المخصصة بجنود المرتزِقة».
وفي ضوء ما تقدم ذكره وعرضه يتراءى لي أن أقدم تلك المعاني لمصطلح المرتزِقة ظهورا واستعمالا هو: الجُنْدُ المُفَرَّغُونَ لِلدِّفَاعِ وَخَوْضِ الحُرُوبِ، بِأَجْرٍ رَاتِبٍ مِنَ الدَّوْلَةِ؛ بناءً على أقدم الشواهد التي تم العثور عليها، والتي ترجع إلى العصر العباسي متمثلة في قول القاضي أبو يوسف الأنصاري (ت182هـ) ثم اعترى اللفظة تطور دلالي هيئته: تعميم المعنى وتوسيعه، فأطلق على كل صاحب راتب مقدر فشمل الجند وغير الجند.
ولم تقف دلالة المصطلح عند هذا المعنى فحسب، بل تطور مرة أخرى، تطورا يصدق عليه انحطاط المعنى وابتذاله فأسبغت على: الجُنْد المَأْجُوْر لِلْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ حَرْبِيَّةٍ وَقِتَالِيَّةٍ غَيْرِ قَانُونِيَّةٍ؛ طمعًا في المكافأة المادِّيَّة، فهم قوم يحاربون لا من أجل الدفاع عن بلادهم أو عن شرف أمتهم؛ بل من أجل طلب الرزق -أي: المال- عن طريق التطوع للحرب في جيوش غير جيوش بلادهم.
ولا يخفى علينا أنه متطور عن المدلول الخاص بالجنود الذين يأخذون أرزاقهم ورواتبهم من الدولة، ولكن شتان بين الثرى والثريا.
وإذا أطلق مصطلح المرتزِقة في عصرنا الحاضر وفي عربيتنا المعاصرة، والبعض ينطقه المرتزَقة -بفتح الزاى لا بكسرها- فلا يتبادر إلى الذهن إلا هذا المعنى المرذول، والذي يحمل في طياته إيحاءات سلبية، وظلال هامشية مذمومة، وليس الأمر قصرًا وحكرا على الجند فحسب في ميدان المعارك العسكرية وحمل السلاح، بل تمدد دلالياً ومجازياً ليشمل مجالات عديدة، فأصبح يُطلق على كل من يبيع نفسه، أو مبادئه، أو مهاراته، أو مواقفه الفكرية والمهنية لمن يدفع أكثر، دون الأخذ في الحسبان الوازع الديني، أو الأخلاقي، أو الأضرار التي يسببها للآخرين.
** **
مدرس أصول اللغة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بقنا - جامعة الأزهر