د. جمال الراوي
كثيرون منّا لا يدركون أنّ لألسنتهم مقدارًا وحدودًا لا ينبغي تجاوزها؛ فهي -كالشواهد الموضوعة على جوانب الطُّرقات- تُحدِّد السرعة القصوى المسموح بها للعربات، لأنّ تجاوزها يُعرِّض السائق للمخالفة، لما تحمله السُّرعة الزائدة من خطرٍ عليه وعلى غيره.
وكذلك اللسان، فإنّ له حدودًا إنْ تعدّاها الإنسان أضرّ بنفسه وبالآخرين، ولهذا كان لزامًا عليه أن يضبطه، وألّا يتركه طليقًا ينطق بما يشاء، وكيف يشاء، وفي أيّ وقتٍ يشاء.
واللسانُ من أكثر أعضاء الجسد حركةً ونشاطًا؛ تصدر منه أصواتٌ تتشكّل منها كلماتٌ، أو آهاتٌ، أو تنهّداتٌ، أو ضحكاتٌ.
وهو وسيلة التواصل بين البشر، ينشر البِشرَ والبهجة والبشاشة، أو -على النقيض- ينشر السَّماجة والجهامة والحزن.
وهو عضوٌ صغير، لكنّ أثره عظيم؛ تتحكم به أقوى العضلات وأكثرها استعمالًا وأسرعها استجابة، يرقد بين الشفتين مترقبًا أي إشارة ليتحرك، فيُلبي طلب صاحبه دون ترددٍ أو إبطاء. فإذا تحرك، جر معه آثارًا تمتد إلى المحيط كله؛ فقد يُشعل منازعاتٍ ومشاحناتٍ وخصومات، وقد يُنشئ -في المقابل- ألفةً وتحابًّا ومودةً بين الناس.
ومن اللافت أن القرآن الكريم ذكر كلمة اللَّغْو في مواضع عدّة، منها قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1–3].
وفي هذه الآيات إشارةٌ واضحة إلى ضرورة اجتناب الألفاظ التي لا فائدة منها، ودعوةٌ صريحة إلى ألّا يُستعمل اللسان فيما لا نفع فيه ولا مردود.
وهي توجيهٌ بليغ إلى أن يُسخِّر الإنسان هذه الطاقة الكامنة في لسانه لما ينفعه وينفع غيره، وألّا يُهدرها في الفراغ؛ لأنّ الأجل محدود، والأيّام معدودة، ولسان الإنسان -كعمره- طاقةٌ محدودة، سيأتي يومٌ تخرس فيه الكلمات، وتضعف القدرة على القول كما كانت من قبل.
واللَّغْو -في اللغة- هو الكلام فيما لا فائدة فيه؛ لو سكت عنه الإنسان لم يأثم، ولو تكلّم به لم يُفِده شيئًا. كأن يسترسل المرء في الحديث عن أسفاره ورحلاته استرسالًا لا ثمرة فيه؛ فيصف ما رآه من مدنٍ وأنهارٍ وأشجارٍ وطبيعة، وما وجده من أطعمةٍ وأشربةٍ وألبسةٍ وعادات. ويعدّ العلماء هذا من فضول الكلام، الذي يُقصد به السَّمَر وتمضية الأوقات بحكاياتٍ وأحوالٍ لا ثمرة لها.
وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (متفق عليه).
كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكم أخلاقًا، وإنَّ مِن أبغضِكم إليَّ وأبعدِكم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفيهِقونَ..» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
فالثَّرثار هو الذي يُكثر الكلام بغير ضرورة، والمتشدِّق هو المتقعِّر في كلامه، يستعمل الألفاظ الغريبة والمهجورة بقصد إظهار فصاحته وعلوّ كعبه في اللغة، أمّا المتفيهِق فهو الذي يتحدّث بتكبّر، مستعليًا على الناس ببلاغته، متظاهرًا بعِظم شأنه في أقواله وأفعاله، فضلًا عن خوضه في علومٍ وفنونٍ وقضايا لم يُحط بها علمًا ولا دراية.
واللَّغْو هو الكلام الزائد عن الحاجة؛ وقد يكون اللَّغْو في تدخّل المرء في شؤون الآخرين، يسألهم وهم يصدّون عنه، ويُحرجهم وهم يحاولون تجنبه، يُلحّ ويُصرّ على استنطاقهم، غير مدركٍ أنّه ينتهك خصوصيّاتهم دون رغبةٍ منهم.
ومن اللغو أن يتحدّث الإنسان فيما ليس من اختصاصه، وهو غير متيقّنٍ ممّا يقول. ونسمع -أحيانًا- في المجالس من يخوضون في علومٍ وقضايا لا علم لهم بها ولا دراية.
ومن اللَّغْو كذلك الثرثرة بما لا فائدة فيه؛ تسمع في المجالس كلامًا مُرسلًا، تتخلّله ضحكاتٌ ونكات، تعلو فيه الأصوات ولا تهدأ، همّ أصحابها قتل الوقت، وجلب بهجةٍ زائفة إلى نفوسٍ تائهة لا تعرف كيف تصمت لتفهم، ولا كيف تسكت لتنجو.
ويقول الله تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19].
وصفت الآية ألسنة المنافقين بأنّها حِداد؛ أي سكاكين حادّة قاطعة، في تصويرٍ بالغ القسوة والدقّة، كنايةً عن الكلام الشديد الشرس، الذي يحمل في طيّاته التطاول على الناس، والتعدّي عليهم، وإصابة أعراضهم، والطعن في سمعتهم.
فالألسنة قد تتحوّل إلى أدوات أذى، تجرح وتُؤلم، يخرج منها البذاء، والشتيمة، والسفاهة، وتُمارَس بها أنواع الاعتداء المعنويّ. أمّا السَّلْق الوارد في الآية، فيُراد به الأذى الصريح والاعتداء باللسان، حين يُفلت من ضابطه، ويتحوّل إلى سلاحٍ طائش.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ» (متفق عليه).
وفي هذا الحديث الشريف دعوةٌ صريحة إلى الصمت إذا خلا الكلام من الخير والفائدة. فليكن الصمتُ خيارَنا حين يغيب المعنى، وحين تتحوّل الكلمات إلى عبءٍ على القائل والسامع.
يقول الله في كتابه الكريم: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وفي هذه الآية تذكيرٌ بأنّ ملكين يكتبان علينا ما ننطق به ونتفوه به؛ لتُدوَّن في صحائف أعمالنا، قبل أنْ تُعرض يوم القيامة على الله تعالى.
فما من كلمةٍ يراها الإنسان هينةً إلّا وهي محفوظةٌ في كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها.
إنّنا نعيش زمنًا ضاع فيه الصدق، وكثرت فيه الأقاويل، وانتشر الكذب، وشاع الافتراء، ولم تعد الكلمات بريئة، ولا الكتابات آمنة؛ فالآذان والعيون المتربّصة تُحيط بنا من كلّ جانب، يتربّص أصحابها بالناس، وينصّبون أنفسهم أوصياء عليهم، حتى يؤذوهم في أجسادهم، ووظائفهم، وأرزاقهم، وأهليهم.
فلنُكثر من الإصغاء والاستماع؛ فالحقيقة غائبة، ويصعب على كلّ حصيفٍ حكيمٍ أن يلتقطها من بين هذه الأفواه المتشدّقة، التي ملأت الفضائيات ومنصّات التواصل، تتحدّث كثيرًا ولا تقول شيئًا.
وتمتلئ حياتنا الدنيا باللغو، والهُراء، والهذيان؛ فلا نكاد نسمع إلّا ألغازًا في السياسة والأحداث، وأباطيل في الخُطب والشعارات، وهذرًا في الوعود والمخطّطات.
وكأنّ الأرض تنتظر ذلك اليوم الذي قال الله فيه: {لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} [الغاشية: 11]، يومٌ لا يسمع فيه أهل تلك الدار قبائح ولا فواحش، ولا تُنقَل إليهم أباطيل ولا آثام.
ومن أراد أن يكون له نصيبٌ من هذا الصفاء في دنياه، فليضع حارسًا على لسانه، فلا يدعه ينطلق إلا بميزانٍ من الحكمة؛ فالصمت ليس فراغًا، بل امتلاء، وليس عجزًا، بل حكمة. وفي حضرته تستريح الكلمة، وتجد سبيلها إلى الخروج في أوانها، بعد أن تستوفي حظَّها من التأمّل، وتجد مسوّغًا لخروجها.
فالكلمة التي لا تُقال قد تنقذ روحًا، والصمت الذي يُختار قد يكون أعلى درجات البيان. ومن تعلّم أنْ يحرس لسانه، كأنّما أقام على قلبه سورًا من نور، لا يدخل منه لغو، ولا يخرج منه أذى. وفي حضرة الصمت، فقط، تُسمَع الحقيقة حين تهمس.