د. رانيا القرعاوي
حين تستضيف دولة ما كأس العالم، فهي لا تستضيف مباريات فقط، بل تستضيف عيون العالم وأسئلته وفضوله وصوره النمطية. لذلك لا يكون التحدي الحقيقي في جاهزية الملاعب وحدها، بل في جاهزية الرواية: ماذا سيعرف العالم عنَّا؟ وما الصورة التي ستبقى بعد صافرة النهاية؟
كلنا شاهدنا افتتاحية كأس العالم في المكسيك، وفقر الرواية التي قدمتها المكسيك عن ثقافتها وحضارتها خلال الافتتاح، فبات الافتتاح باهتاً لم يحظ بالإعجاب الذي من المفترض أن تناله، بطولة تُقام كل أربع سنوات. وعندما نظَّمت قطر كأس العالم 2022 قدَّمت درسًا مهمًا. لم يكن الحدث مجرد بطولة رياضية، بل منصة لإبراز الهوية القطرية والعربية؛ من الضيافة واللباس والأسواق والموسيقى، إلى حضور الثقافة المحلية في تفاصيل التجربة اليومية للزائر. وهنا تحوَّل الإعلام من ناقل للمباريات إلى شريك في صناعة المعنى.
واليوم، والسعودية تستعد لكأس العالم 2034، تبدو الفرصة أكبر وأعمق. فالمملكة لا تملك ملاعب ومدنًا مستضيفة فقط، بل تملك قصة وطنية واسعة: تنوع جغرافي، إرث ثقافي، تحول اجتماعي واقتصادي، شباب يصنعون المستقبل، وهوية قادرة على مخاطبة العالم بثقة.
لكن هذه القصة لن تُروى وحدها. الإعلام السعودي مطالب منذ اليوم بأن ينتقل من منطق التغطية إلى منطق البناء؛ بناء السردية، وبناء المحتوى، وبناء الكوادر القادرة على مخاطبة جمهور عالمي بلغات متعددة، وبحس مهني لا يكتفي بالاحتفاء، بل يشرح ويفسِّر ويقرِّب الصورة.
فالهوية في المناسبات الكبرى ليست شعارًا يُرفع، ولا لونًا يُطبع على الملصقات، بل تجربة يعيشها الزائر ويرويها الإعلام. ولهذا، فإن الاستعداد الإعلامي لكأس العالم 2034 يجب ألا يبدأ قبل البطولة بأشهر، بل من الآن. نحتاج إلى محتوى مبكر عن المدن المستضيفة، وتدريب صحفيين ومراسلين متخصصين في الأحداث الكبرى، وبناء منصات رقمية متعددة اللغات، وإعداد مواد استباقية تشرح التحول السعودي بعيدًا عن الخطاب الدفاعي أو الاحتفالي المفرط.
اطلعت مؤخَّراً على دراسة منشورة في مجلة Soccer الجزيرة Society خلصت إلى أن استضافة قطر لكأس العالم كانت جزءًا من إستراتيجية الدولة «لإعلان نفسها فاعلًا عالميًا يمتلك هوية مميزة بين الدول العربية والإسلامية»، وأن الأثر الأهم للبطولة لم يكن رياضيًا، بل ثقافيًا وهوياتيًا.
واعتبرت «الفيفا» «الفهم الثقافي» هدفًا للبطولة ففي تقرير الاستدامة الرسمي لكأس العالم قطر 2022، خصصت FIFA محورًا كاملًا بعنوان Cultural Understanding، وكان الهدف المعلن هو «تعزيز فهم ثقافة قطر والمنطقة وتشجيع التبادل الثقافي بين الشعوب»، والتي جاءت خلال الافتتاح بآياتٍ من القرآن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (13) سورة الحجرات.
فإذا كانت «الفيفا» تعتبر تعزيز فهم ثقافة الدولة المستضيفة هدفًا رسميًا للبطولة، فإن الإعلام يصبح شريكًا في تحقيق هذا الهدف وليس مجرد ناقل للمباريات، ولعبت المتاحف والثقافة جزءًا في إستراتيجية قطر الإعلامية ففي دراسة عن دور متاحف قطر خلال كأس العالم توصلت إلى أن البطولة كانت «فرصة ذهبية لإبراز الهوية والثقافة القطرية والعربية أمام جمهور عالمي ضخم».
والسؤال الذي يجب أن نطرحه منذ اليوم: كيف ستصبح الدرعية والعلا وجدة التاريخية وحِرف المملكة وفنونها جزءًا من قصة كأس العالم؟
كلنا واثقون أن كأس العالم القادم لن يكون اختبارًا رياضيًا فقط، بل اختبارًا اتصاليًا وثقافيًا. ومن يتعامل معه كحدث كروي فقط سيخسر نصف الفرصة.