محمد الفايز
في كل مجتمعٍ نجد نماذج مختلفة من البشر منهم من يرى الحياة مساحةً واسعةً للتعلّم والتواصل واكتشاف الآخر ومنهم من يحاصر نفسه داخل نطاقٍ ضيق من الأفكار والقناعات حتى يظن أن ما يراه هو الحقيقة المطلقة وأن ما يعرفه هو المعيار الذي ينبغي أن يُقاس عليه الجميع.
هذه النطاقات المتأزّمة لا تُنتج معرفة بل تصنع عزلةً فكريةً وسلوكية تجعل صاحبها أسير نظرته القاصرة غير قادرٍ على استيعاب التنوع الإنساني والثقافي الذي تزخر به المجتمعات. فكلما اتسعت دائرة التواصل اتسعت معها دائرة الفهم وكلما انغلق الإنسان على ذاته ضاقت رؤيته للحياة والناس.
ولعل من أبرز مظاهر هذا التأزم أن تتحول الثقافة إلى أداةٍ للحكم على الآخرين بدل أن تكون وسيلةً لفهمهم وأن يُختزل الوعي في صورةٍ أو مظهرٍ أو انطباعٍ عابر بينما الحقيقة أن الصورة قد تخدع وأن المظاهر وحدها لا تصنع قيمة الإنسان ولا تعكس عمق فكره أو اتساع أفقه. إن المجتمعات لا تُبنى بالانغلاق بل بالتواصل ولا تزدهر بالاستعلاء بل بالاحترام المتبادل. فالقيم والعادات والشيم والموروث الثقافي لا تنتقل عبر الجدران المغلقة وإنما عبر التفاعل الإنساني الذي يثري التجارب ويعزز الفهم ويقود إلى مزيدٍ من النضج والوعي.
وفي زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل تفتح نوافذ العالم على بعضها بعضًا لم يعد مقبولًا أن يبقى الإنسان حبيس نطاقه الضيق أو أن ينظر إلى الآخرين من زاويةٍ واحدة. فالحياة أوسع من أن تُختزل في رأي وأكبر من أن تُقاس بتجربةٍ فردية وأعمق من أن تُفهم بمنطق الإقصاء أو الاحتكار.
إن النخبة الحقيقية ليست من ترفع الشعارات أو تتكئ على الصورة بل من تمتلك القدرة على الإصغاء والتعلّم واحترام الاختلاف وتدرك أن المعرفة رحلةٌ لا تتوقف وأن الإنسان كلما ازداد علمًا أدرك أن أمامه مساحاتٍ أكبر للفهم والتأمل. ولعل ما يغيب عن أصحاب النطاقات المتأزّمة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك ولا بما يجلس عليه من كرسي ولا بما يحيط به من مظاهر وألقاب فالعظماء لا تعني لهم المظاهر ولا تستوقفهم مقامات المال أو المناصب بقدر ما يعنيهم أثر الفكرة وصدق الموقف ورقيّ التعامل فالتاريخ لم يُخلّد الكرسي، بل خَلَّد الإنسان الذي جعل من فكره رسالة ومن أخلاقه أثرًا ومن حضوره قيمةً تُضيف للمجتمع أكثر مما تأخذ منه. فالمناصب مراحل عابرة والثروات متغيّرة أما الأثر الصادق والفكر الناضج وحسن الخلق فهي البصمة التي تبقى حين يغادر الجميع المشهد ولذلك فإن المجتمعات لا تتذكر من استعرض مكانته بقدر ما تتذكر من ارتقى بعقله واتسع قلبه وجعل من التواصل جسرًا للفهم ومن الاختلاف مساحةً للتكامل لا سببًا للتعالي.
وحين يدرك الإنسان أن الحياة أوسع من نطاقه وأن الناس مدارس وتجارب وخبرات يبدأ في التحرر من أزمته الفكرية ويصبح أكثر قدرةً على رؤية العالم كما هو لا كما يريد له ضيق الأفق أن يكون. تلك هي بداية النضج الحقيقي وتلك هي المساحة التي يولد فيها الوعي.