د.عبدالله بن موسى الطاير
ينقشع نقع الغبار، ويعود كل جيش أدراجه من حيث جاء، فتكون المعركة قد انتهت. كانت المعادلة، قديما، أكثر مباشرة؛ اقتتل الجيشان، فغلب أحدهما، أو عجزا معًا عن الحسم فاتفقا على وقف القتال وحقن الدماء. مشهد اليوم التالي ميدان مكشوف متمثل في جيش منسحب، وآخر منتصر، وأسرى، وحدود يعاد رسمها أو تثبيتها.
الاتفاقات التي تعقب القتال في الحروب المعاصرة أصبحت أقل قابلية لهذا النوع من الوضوح، فهي لا تكشف عن سلام مستقر، بل تفتح مرحلة طويلة من الترقب والشك، وبين وضوح النهايات القديمة وغموض ما يلي صمت المدافع اليوم، يمكن النظر في الطريقة التي انتهت بها بعض الحروب، بوصفها تجارب تكشف أن نهاية القتال لا تعني بالضرورة نهاية الحرب.
انتهت أغلب الحروب بمعاهدات، هدنة، أو مذكرة تفاهم، أو إعلان استسلام، غير أن قيمة الوثيقة لا تتحدد بمجرد توقيعها، بل بما إذا كانت تعالج أسباب الحرب أو تكتفي بتجميدها، ولهذا يختلف أثر التسوية من حالة إلى أخرى؛ فقد تفضي التسوية إلى بداية نظام جديد، وقد لا تكون أكثر من فاصلة بين جولتين من الصراع.
من أقدم الأمثلة المعروفة معاهدة السلام بين مصر الفرعونية والإمبراطورية الحثية بعد معركة قادش عام 1274 ق.م تقريبا. لم تكن المعركة فاصلة، واستمر التوتر سنوات بعد ذلك، إلى أن أُبرمت المعاهدة. صمود تلك المعاهدة ارتبط بتوازن المصالح أكثر من ارتباطه بمثالية السلام، فقد كانت مصر تواجه ضغوطا في شرق المتوسط، وكان الحثيون يراقبون صعود آشور في الشرق، فكان في تثبيت العلاقة بين القوتين مصلحة عملية تلبي حاجة سياسية مشتركة.
على النقيض من ذلك، جاءت معاهدة نيكياس عام 421 ق.م بين أثينا وإسبرطة التي كان يفترض أن تدوم خمسين عاما، بيد أنها لم تنجح في احتواء التحالفات والمخاوف والمصالح المتعارضة بين الطرفين وحلفائهما. فبعض حلفاء إسبرطة لم يقبلوا بها، وأثينا لم تتخلَّ عن طموحها البحري والإمبراطوري، كما تصاعد داخلها نفوذ شخصيات دفعت باتجاه المغامرة. مع الوقت، عادت الحرب، ثم انتهت حملة أثينا على صقلية إلى كارثة عسكرية وسياسية مهّدت لتراجع قوتها.
في أوروبا الحديثة، تعقدت تسويات ما بعد الحروب، فقد أنهى صلح وستفاليا عام 1648م حرب الثلاثين عاما، ورسخ مفهوم سيادة الدولة. لم يكن الاتفاق نهاية لكل النزاعات، لكنه أعاد ترتيب العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة داخل أوروبا بعد حرب طويلة أضعفت وسط القارة. ثم جاء مؤتمر فيينا بين عامي 1814م و1815م، بعد هزيمة نابليون بونابرت، كمحاولة لإعادة بناء التوازن في القارة، ولم تقص فرنسا كمعتدية، بل أُعيد إدماجها في النظام الأوروبي بشروط.
في القرن العشرين، بدا التباين أوضح بين أنواع التسويات، فبعد الحرب العالمية الأولى، فرضت معاهدة فرساي عام 1919م على ألمانيا شروطا قاسية شملت تعويضات مالية، وخسائر إقليمية، وقيودا عسكرية، وبندا حمّلها مسؤولية الحرب. لم تمنع المعاهدة ألمانيا من استعادة قوتها لاحقا، وفي الوقت نفسه تركت آثارا عميقة داخل المجتمع الألماني وشعور بالإهانة أجج الخطاب النازي لاحقا، ومهد لصعود أدولف هتلر، أعقبه اتفاق ميونيخ عام 1938م الذي سمح لألمانيا بضم بعض من تشيكوسلوفاكيا. اعتقد نيفيل تشامبرلين، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أن التنازل قد يحفظ السلام في أوروبا، لكنه عاد بعد أشهر قليلة إلى مشهد مختلف؛ ففي مارس 1939م دخلت القوات الألمانية براغ معلنة انطلاق مشروع توسع نازي طموح.
بعد عام 1945م، اتخذت التسوية مسارا مختلفا، إذ كان استسلام ألمانيا واليابان غير مشروط، فإدارة ما بعد الحرب لم تقتصر على إضعاف الدولتين المهزومتين، بل شملت إعادة تشكيل مؤسساتهما وفتح طريق لعودتهما إلى النظام الدولي، فتحولت الهزيمة العسكرية إلى بداية إدماج جديد، لا إلى عزلة دائمة.
شهد العصر الحديث نوعا مختلفا من النهايات التي لا تحسم النزاع، فالهدنة الكورية عام 1953م، لم تكن معاهدة سلام، بل اتفاقا لوقف إطلاق النار، ومنذ ذلك الحين، بقيت شبه الجزيرة الكورية في حالة متأرجحة بين الحرب والسلام. وفي عصرنا انقلب مشهد اليوم التالي رأسا على عقب فالطائرات المسيّرة قادرة على إرباك التفاؤل بالاستقرار، والصواريخ الباليستية تجعل لحظة العودة إلى الحرب غير مرتبطة بحشود الجيوش على الحدود، وإذا صمت هدير الأرض، فإن أزيز السماء يبقى مؤذنا باندلاع الحرب من دون اصطفاف المشاة متقابلين كما كان في الحروب القديمة.
صمت المدافع قد يكون بداية سلام، وقد يكون تأجيلا للنزاع، وقد يكون مجرد لحظة هدوء بين مرحلتين. ما يحدد مصير الحرب ليس التوقيع على مذكرة التفاهم، بل ما يحدث بعد التوقيع، ككيف تُدار الهزيمة، وكيف تُفهم مصالح الأطراف، وما إذا كانت التسوية قادرة على تحويل توقف القتال إلى استقرار مستدام.