د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
عقدت جلسة حوارية رفيعة المستوى في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لعام 2026 بعدما كان يترقب العالم تصريحا من وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بعد تداعيات مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا، وبعد التزام صمت إستراتيجي خلال الفترة الماضية، الذي شهد أعتى أزمة طاقة عالمية، واعتبر أن صمته في خضم المجاهيل الكثيرة رسالة وإقرار متواضع بأن الواقع يتبدل بسرعة، وهو شكل من أشكال احترام الذات والآخرين.
فوجئ قطاع الطاقة بتصريح من قبل الأمير عبد العزيز بن سلمان في 4/6/2026 في منتدى سانت بطرسبرغ موجها رسائل بالغة الدقة لقطاع الطاقة، يعكس حجم الضبابية التي تلف المشهد العالمي، قائلا إن هناك الكثير من الأجزاء والعوامل المتحركة، الكثير من المجاهيل، والكثير من الأشياء التي نعتقد أنها أصبحت واقعا، ولكن نستيقظ في اليوم التالي لنجد أن الواقع ليس واقعا، وإنما حلم بعيد المنال أو أمل متخيل أو أمنية، فالتحلي بالصمت هو شكل من أشكال الرسائل، مؤكدا أن العالم في حاجة ماسة إلى استقرار قطاع الطاقة بقوله نحن مزود مرن للطاقة، كنا وسنظل كذلك في جميع الظروف، وهذه الأزمات تحولت إلى فرص، أي أن السعودية أصبحت ملاذ العالم الآمن.
حل سمو الأمير عبد العزيز بن سلمان ضيف الشرف الرئيس بالتزامن مع مئوية العلاقات الدبلوماسية المشتركة، وتحولت المبادرة بين البلدين في قطاع الطاقة إلى شراكة بلا قيود أو حدود، أثمرت عن توقيع 30 اتفاقية جديدة بين البلدين في مختلف المجالات، بل حققت الشراكة قفزة تاريخية بـ70 مشروعا مشتركا، حتى تحولت العقلية الإستراتيجية بين البلدين نحو مفهوم منتجي الطاقة الشاملة، بدلا من النفط والغاز فقط، وأشاد بدور روسيا كمورد أساسي وسيتضح أكثر في السنوات المقبلة.
هناك عجز ضخم ومخفٍ في المعروض العالمي يقدر بنحو 12 مليون برميل يوميا، لم تشعر بها الأسواق الناجمة عن صراع الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران التي نتج عنها قفل مضيق هرمز، كونها تدار بالسحب من المخزونات الاحتياطية إذ تم السحب بشكل منسق عالميا بقيادة وكالة الطاقة الدولية والتي وافقت على الإفراج عن 400 مليون برميل من المخزونات لمواجهة اضطرابات الإمدادات العالمية، فيما أفرجت الولايات المتحدة بمفردها عن 172 مليون برميل ضمن الخطة المنسقة، ولم تعلن الصين عن مقدار الإفراج لديها، التي تمتلك مخزونات تقدر بنحو 1.4 مليار برميل، فيما يبلغ إجمالي مخزونات النفط الإستراتيجية الحكومية العالمية حوالي 2.5 مليار برميل.
تستحوذ دول تحالف منظمة أوبك على قرابة 79.1 % من إجمالي الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، والتي تبلغ 1.572 تريليون برميل، حيث يسيطر الأعضاء على 50 % من الإنتاج العالمي، وما يزيد على 40 % من إجمالي الصادرات في التجارة العالمية.
بينما يشكل انضمام دول مستقلين كبار مثل روسيا ثقلا إستراتيجيا مهما في التحكم بمعروض وإمدادات الطاقة العالمية، الاتفاقيات تثبت كفاءة عالية في كبح التقلبات وتخفيف حدة التذبذبات بالأسواق، استفادت روسيا من الأزمة بعدما مددت الولايات المتحدة إعفاء من العقوبات يسمح بشراء النفط الروسي المنقول بحرا لمساعدة الدول الأكثر تأثرا بمشكلات قطاع الطاقة.
من المؤكد أن تلغي أوبك بلس تخفيضات الإنتاج تدريجيا أو بوتيرة سريعة فور فتح مضيق هرمز، حيث يهدف التحالف إلى إعادة تلك الإمدادات للأسواق للتحول من حالة شح الإمدادات إلى تلبية الطلب العالمي، خصوصا بعدما أقرت الدول السبع في أوبك بلس التي تضم السعودية وروسيا، والعراق، والكويت، وكازخستان، والجزائر، وعمان، اجتماعا في 7 يونيو 2026 لمراجعة مستجدات السوق البترولية قررت الدول السبع تنفيذ تعديل في مستويات الإنتاج قدره 188 ألف برميل يوميا من إجمالي كميات التعديلات الإضافية التي أعلن عنها في أبريل 2023 ومن المقرر تطبيق هذا القرار في شهر يوليو 2026، مع تمديد فترة التعويض حتى نهاية ديسمبر 2026، للتخلص التدريجي من تخفيضات إنتاج النفط الطوعية البالغة 1.65 مليون برميل يوميا التي بدأت تنفيذها منذ 3 سنوات، ويشمل ذلك تخفيضات طوعية أخرى تبلغ مليونين و200 ألف برميل يوميا أعلنت في نوفمبر 2023 وتمكنت المجموعة من التخلص منها في غضون 6 أشهر حتى سبتمبر 2025.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى