غادة الوعلان
في إحدى المحطات المهنية التي أسهمت في تشكيل رؤيتي للعمل التربوي والقيادي، كان من أثمن الهدايا التي تلقيتها كتاب بعنوان «تغير مذهل: المعالم الحقيقية للتحول في التعليم العام» للمفكر التربوي العالمي مايكل فولان، والصادر بترجمته العربيّة عن مكتب التربية العربي لدول الخليج عام2020. وقد شكّل هذ الكتاب إضافة نوعيّة إلى مكتبتي المهنيّة؛ إذ أتاح لي الاقتراب من أفكار أحد أبرز منظّري التغيير التربوي ،وفتح آفاقاً أوسع لإعادة النظر في كثير من الممارسات المرتبطة بالتطوير المدرسي، وكيفية الانتقال من إدارة التفاصيل اليوميّة إلى قيادة التغيير الحقيقي المستدام.
ومن بين الأفكار التي يطرحها فولان، تبرز أهمية الالتفات إلى ما يسميه « الفروق الدقيقة «في العمل التربوي؛ وفهم أن التحسين يتجاوز أهميّة القرارات الكبيرة إلى أهميّة التأمل المستمر في الممارسات اليوميّة، ومراجعة الأداء، والتعلم من التجارب السابقة، وهي الفكرة التي تجعل من نهاية كل عام دراسي نقطة انطلاق حقيقية نحو عام أكثر جودة وفاعليّة.
إن التقييم ومراجعة الأداء في المؤسسات التعليمية لا ينبغي أن يُنظر إليهما بوصفهما إجراءات إدارية مرتبطة بإعداد التقارير أو استكمال متطلبات الجودة فحسب، بل إنهما أداتان استراتيجيتان لبناء المستقبل.
فالمدارس التي تنجح في التطور لا تكتفي بتوثيق ما أنجزته، وإنما هي التي تمتلك الشجاعة المهنيّة للتساؤل: ما الذي نجح؟ وما الذي يحتاج إلى تحسين؟ وما الفرص التي لم نستثمرها بالقدر الكافي؟ وتؤكد الأدبيات التربوية الحديثة أن التقييم الفاعل هو عملية تعلم مؤسسي فهو يتيح رصد مواطن القوة لتعزيزها، والكشف عن جوانب القصور لمعالجتها، واستشراف الاحتياجات المستقبلية للطلاب والمعلمين والبيئة التعليمية بشكل عام. كما يُسهم في بناء خطط تطوير واقعيّة تستند إلى الأدلة والبيانات بعيداً عن الاجتهادات الفردية أو الافتراضات غير المدعومة بالمؤشرات.
وعند مراجعة الأداء السنوي يصبح من الضروري توسيع دائرة النظر لتشمل مختلف عناصر العملية التعليمية: مدى تحقق الأهداف الاستراتيجية، ومستويات تحصيل الطلاب ونموهم، وكفاءة البرامج والمبادرات المنفذة، وفاعلية التنميّة المهنية المقدمة للمعلمين، ومدى رضا المستفيدين من طلاب وأولياء أمور ومنسوبين.
وهنا تتجلى إحدى الأفكار الجوهرية التي يؤكد عليها مايكل فولان، وهي أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ من ثقافة مدرسيّة تؤمن بالتعلم المستمر، وترى في التغذية الراجعة فرصة للتحسين وليس للمحاسبة فقط ، وتتعامل مع الأخطاء بوصفها فرصاً للتعلم والنمو. فالمؤسسات التي تتبنى ثقافة المراجعة الموضوعيّة لأدائها تكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثر استعدادا لمواجهة التحديات المستقبلية. مراجعة صادقة لأدائها تكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل.
كما أن مراجعة الأداء تمثل فرصة مهمة لإشراك العاملين في صناعة القرار وبناء الخطط المستقبلية. فحين يُستمع إلى المعلمين، ويمنحون مساحة للتأمل في ممارستهم واقتراح الحلول، تتحول خطط التطوير من وثائق مكتبية إلى التزام جماعي يعكس احتياجات الميدان الحقيقي. وهذا ما يجعل الخطط أكثر قابلية للتنفيذ وأكثر تأثيرا في تحسين جودة التعليم.
إن التخطيط للعام الدراسي القادم ينبغي أن ينطلق من سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا تعلمنا من هذا العام؟ فالإجابة الصادقة عن هذا السؤال قادرة على رسم أولويات واضحة، وتحديد أهداف قابلة للقياس، وتوجيه الموارد والجهود نحو ما يحقق الأثر الأكبر في تعلم الطلاب ورفاههم.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم أصبح التطوير ضرورة تفرضها متطلبات الجودة والاستدامة في التقييم ومراجعة الأداء يمثل استثماراً في مستقبل المدرسة وقدرتها على الاستمرار في تقديم تعليم أكثر كفاءة وإنسانيّة.
فالتغير المذهل يحدث عبر تلك الوقفات الصادقة التي تراجع فيها المؤسسات نفسها بموضوعيّة ومسؤوليّة. فكل مراجعة واعيّة للأداء هي خطوة نحو فهم أعمق للواقع، وكل خطوة تُبنى على الدروس المستفادة هي فرصة جديدة لصناعة تغيير أكثر نضجاً واستدامة.
ومع قرب نهاية العام الدراسي قد لا يكون السؤال الأهم: «كم أنجزنا؟» يمكن أن يكون «كيف يمكن أن نصبح أفضل في العام القادم ؟: لأن المؤسسات التي تتعلم من تجربتها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر إشراقاً لأبنائها ومجتمعاتها.