محمود أحمد منشي
المملكة العربية السعودية أثبتت للعالم قاطبة هذا العام وفي كل عام والحمد لله، قدرتها الفائقة على إدارة أكبر وأعظم تجمع بشري على وجه الأرض، فكان حجاً استثنائياً، حيث بلغ عدد الحجاج أكثر من 1.7 مليون حاج وحاجة، ورغم اختلاف مشاربهم وأعراقهم وفي مساحة محدودة وحشود كبيرة وأوقات محددة لتحركاتهم أثبتت المملكة أنها تتفوق على الكثير من الدول في إدارة مثل هذه الحشود، هذا الإنجاز لم يكن في هذا العام وليد الصدفة بل امتداد لأعوام مضت والحمد لله.
يتحول هذا النسك إلى لوحة تنظيمية وإنسانية وورش عمل ليل ونهار يتفانى ويتسابق الجميع لخدمة ضيوف الرحمن.
إن ما تحقق من نجاح منقطع النظير جاء بتوفيق المولى - عز وجل - ثم بما وفرته حكومتنا الرشيدة من دعم كبير وتوجيهات سديدة بقيادة وإشراف سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ومتابعة سمو سيدي ولي العهد الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظهم الله -، كان لذلك أبلغ الأثر في ما آلت إليه الأمور من نتائج مبهرة والحمد لله. وكان سمو وزير الداخلية، رئيس لجنة الحج العليا يراقب منظومة العمل والخدمات مع الوزراء.
وقد تشرف أكثر من 440 ألفاً من كافة القطاعات المعنية بشؤون الحجاج (وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، وزارة الصحة، وزارة الحج والعمرة، وزارة الحرس الوطني إلى باقي الوزارات والشركات الأهلية).
الجدير ذكره أن عدد المتطوعين والمتطوعات ضمن منظومة العمل التطوعي أكثر من 39 ألفاً، حيث بذل الجميع أقصى جهد وأدوا ما أنيط بهم باحترافية عالية مما أسهم في نجاح جميع الخطط الموضوعة بتوفيق الله، ولم يشهد حج هذا العام ما يعكر صفوه أو يؤثر على أمن وسلامة الحجاج ولم تسجل أي حالات وبائية أو محجرية ولله الحمد والمنة.
تجدر الإشارة إلى أن الجهود السعودية سُخرت لخدمة ضيوف بيت الله نقولها ليس من باب المنة، إن هذه البلاد -حرسها الله- باتت تمتلك أقوى الخبرات في تقديم أرقى الخدمات لخدمة ضيوف الله -عز وجل-.
منظومة الحج اليوم أضحت مثالاً يُحتذى في فن استضافة الأعداد الهائلة من مختلف المشارب وتقديم أفضل الخدمات المتكاملة.
إن التطور الرقمي الحاصل في الجوازات والمنافذ حيث أصبح بإمكان الحجاج إنهاء تأشيراتهم في مطارات بلدانهم (طريق مكة) يهدف ويرمي إلى اختصار الوقت للعبور وتخفيف الازدحام في منافذ القدوم، فضلاً عن تطبيق (نظام نُسك) الذي من خلاله يتم استخراج تصريح الحج ولتسهيل الإجراءات واختصار الكثير من الوقت، وتستمر الخدمات الرقمية في مرافقة الحاج لرحلته طوال أيام الحج متنقلاً بين المشاعر، حيث البنية التحتية الرقمية في كافة الأماكن في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
ومع الصرامة في تطبيق شعار (لا حج بدون تصريح) بتنا نشاهد انسيابية ومرونة في حركة الحجاج خاصة وقت الذروة.
ومنذ بدء الحزم في ملاحقة المتسللين وما فرضته السلطات الأمنية من غرامات صارمة جداً، بدأنا نلاحظ في السنوات الأخيرة خاصة هذا العام وما قبله صورة لطواف الإفاضة غير معهودة سابقاً بل وحتى الطرقات والمسارات في عرفات ومنطقة المشاعر صورة استثنائية، حيث باتت تنقلاتهم أكثر مرونة وسلاسة وهذا فقط بسبب ضبط الأعداد (لا حج بدون تصريح)، تستمر أيضاً حكاية النجاح لتصل إلى الخدمات الطبية المقدمة للجميع حيث المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الميدانية والثابتة الموزعة حول المشاعر، فضلاً عن (30 ألف ممارس صحي) ويسهر على راحة وأمن كل هؤلاء الإخوة أكثر من (135 ألف رجل أمن) وفي المساندة أكثر من (39 ألف متطوعين ومتطوعات).
إن وسائل الإعلام العالمية سلطت الضوء على نجاح المملكة العربية السعودية في إدارة حج هذا العام (2026)، حيث ذكرت صحيفة لوس انجلس تايمز أن التجمع الضخم الذي تجاوز 1.7 مليون حاج يمثل نجاحاً لوجستياً كبيراً، نيويورك تايمز إحدى الصحف العريقة في أمريكا كانت تتحدث أن المملكة العربية السعودية استضافت بنجاح تدفقاً هائلاً من الحجاج، واستطاعت المملكة إدارة التدفق الهائل بكل احترافية، وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن بلاد الحرمين الشريفين نجحت في استضافة ضيوف بيت الله بكل اقتدار ومهنية، وركزت الـBBC في تغطيتها على جهود المملكة في تخفيف الحرارة وذلك بنشر مئات من وحدات التبريد وأنظمة الرذاذ، محطات المياه لحماية الحشود التي تتحرك من مكة المكرمة إلى منطقة المشاعر، الحد من تدفق الحجاج غير النظاميين، كما أكدت محطة (CNN) الأمريكية على نجاح المملكة في المحافظة على معايير أمنية صارمة، أما محطة (CBS) فركزت على تكنولوجيا إدارة الحشود حيث تستخدم السعودية الذكاء الاصطناعي وشبكات التتبع الآلية لتوزيع المؤن بسلاسة مثل الغذاء والماء والسكن، كما أشادت إندونيسيا (وكالة الأنباء أنتارا)، بالحكومة السعودية بجهودها الحثيثة في تجهيز المرافق ووسائل النقل للحجاج.
كما تحدثت صحف باكستانية منها صحيفة (NETION)، عن إشادة الحجاج بالمستوى العالمي من أماكن الإقامة، الطعام والنقل والمرافق الرقمية، حيث نجحت منظومة النقل السعودية في إدارة وتوجيه أكثر من (41 ألفاً) حافلة بنقل الحجاج. إن النظام الرقمي مكّن من مراقبة وتتبع الحافلات حتى وصولهم إلى أماكن إقامتهم بأمان.
لقد كان موسم الحج هذا العام نموذجاً متكاملاً للتنظيم الدقيق والتخطيط المحكم للتكامل بين مختلف الجهات الحكومية.
الجدير ذكره أن خدمة حجاج بيت الله أصبحت جزءاً من هوية هذه البلاد أعزها الله ورفع قدرها.
المملكة العربية السعودية تسعى بكل ما أوتيت من إمكانات لضمان راحة الحجاج وسلامتهم وأدائهم للمناسك بكل يسر وطمأنينة، كما برزت التقنيات الحديثة والخدمات الرقمية في تسهيل تنقل الحجاج وإرشادهم بما يعكس حجم التطور الذي تشهده منظومة الحج عاماً بعد عام.
قيادتنا الحكيمة جعلت خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما شرفاً ومسؤولية عظيمة، وقد شاهد العالم صوراً مشرفة للتنظيم والإنسانية من قبل أبناء هذه البلاد أنهم جُبلوا على خدمة الإسلام والمسلمين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.