عبدالعزيز صالح الصالح
هناك البعض من البشر يحرص كل الحرص على المخطوطة بشكل خاص لما لها من أهمية في تاريخ مسيرة تلك الأمم والدول والشعوب والأفراد، والبعض يسيء الحفظ والفهم والتعبير عن هذه المخطوطات، التي تم طمس معالمها، أو إتلافها، أو حرقها، أو دفنها، أو بيعها. فالمخطوطة عبارة عن صحائف كتبت بخط اليد في زمن من الأزمان، سواء على الورق، أو الجلود، أو الحيطان، أو الحجر، أو الخشب، فهي تحمل ملامح الثقافة والفكر والخط والكتابة والتاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة وشتى صنوف المعرفة..
وقد ترك المسلمون والعرب الكثير من المخطوطات القيمة، بل والنادرة، سواء كانت خاصة بين أديب، أو مفكر، أو شاعر، أو مجاهد، أو قائد، أو عالم، أو كانت رسائل عامة أو مكاتبات أو خواطر أو تاريخاً لمواقع حربية أو كانت ابياتاً من الشعر أو النثر او جملاً منثورة.. فهي تلعب دور مهماً في رفع حضارة تلك الشعوب بين الأمم، فقد سطرت أروع المثلى بآثارها التاريخية على مر العصور وعاشت أزمنة من الرخاء لفترات طويلة..
ولكن مع الأسف الشديد - فإن مئات المخطوطات تنام غريبة في سبات عميق في مخازن تلك الكتب في عواصم العالم أمثال - لندن - وبرلين - وموسكو - ونيويورك - وتركيا وعندما انتعش البحث والتنقيب عن هذه المخطوطات خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لقد حدث هذا التنقيب من قبل المستشرقين لكي يتعرفوا على الثقافة والحضارة الإسلامية وذلك من باب (اعرف عدوك) أولاً، وثانياً، وذلك للاستفادة منها في شتى العلوم..
ثم سار بعض أبناء الأمة العربية في بداية هذا القرن على منوال هؤلاء المستشرقين وذلك من خلال العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، حيث بدأت تلك الحركة تنمو وتنمو حتى بلغت مرحلة لا بأس بها في السنوات الأخيرة.. وبالرغم من هذا الاهتمام من قبل أبناء الأمة الإسلامية بالمخطوطات إلا أن الأمر لم يصل إلى الهدف المقصود الذي يوليه أبناء هذه الأمة لكافة مخطوطاتهم التي يكشف بعضها عن جوانب كثيرة وخفيه من التاريخ الفكري والثقافي والأدبي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكثير من الحقب التاريخية المختلفة. فالمرء العربي يصاب بالحزن عندما يجد بعض المستشرقين، أو بعض الأجانب يهتمون بالمخطوطات العربية ويعدون الكتب، بل يتحدثون إلى المخطوطات كما يتحدث حبيب إلى محبوبته، بينما تفتقد بعض هذه المشاعر لدى ابنائنا العرب والمسلمين. ومن هذه المخطوطات ما فقد من بعض الصفحات الأولى وبعضها ما فقد من بعض الصفحات الأخيرة، فهي أشبه بذوي العاهات تماماً، وكأنما هذه المخطوطات تنظر إلى الناس تشكو كربها وتعرض آلامها لتشهد الناس على تلك الجرائم التي ارتكبت في حقها، وإنها تؤلم المرء أن ينظر إلى جرحها الممزقة المطروحة تحت الأرض أو في المخازن المنسية مئات الأعوام.
فإن المخطوطات بحقائقها التاريخية مفيدة حيث تحتاج إلى صبر ودأب ووقت طويل وتدقيق وكل هذا لا يأتي بالصورة المرجوة إلا إذا كان الإخلاص الممزوج بالحب لهذا العمل الذي يملأ النفوس التي يقومون بها، حيث إن الكثير والكثير من تلك المخطوطات النادرة تجدها تباع أو تهدى للأجانب الحريصين عليها حيث امتلأت مكتبات الدول الأوربية من المخطوطات العربية والإسلامية النادرة والثمينة. حيث إن هذه المخطوطات العربية لا تحظى إعلامياً أو دراسياً بما تستحقه من أهميه واهتمام، حيث إن القراء العرب مع الأسف الشديد لا يقبلون على قراءتها وتظل على رفوف المكتبات والمطابع يعلوها التراب، ولعل هذا أحد أسباب عدم إقبال دور النشر والمطابع على إصدار مثل هذه الكتب لعدم فوزها بالربح تجارياً.
والله الموفق والمعين.