د. جمال الراوي
لكلٍّ منّا مراياه الخاصّة، يعود إليها لا لينظر إلى شكله وهيئته، بل ليرى صورة ذاته كما يحبّ أن يراها الناس. وهناك يكتشف أحدنا أزماتٍ مرّ بها وتركت آثارها في نفسه، أو يجد خصوماتٍ وعلاقاتٍ متوتّرة داخل بيته أو خارجه؛ ففي تلك المرايا يرى الإنسان عيوبًا ومثالب كثيرة، يحاول إصلاحها وإعادةَ ترتيب شؤون نفسه، ليخرج إلى الناس من جديد وقد خفّف من آثارها أو تجاوز شيئًا منها.
فنحن كثيرًا ما نقف أمام المرايا لنطمئنّ على صحّة أجسادنا، نراقب الندبات والتجاعيد، ونخشى عليها من آثار السنين، ونرغب أنْ تبقى محتفظةً بحيويّتها ونشاطها؛ لأنّها مركبنا في هذه الحياة، وبدونها تتعطّل أعمالنا وتخور قوانا.
غير أنّ هناك مرايا أخرى لا يراها الناس؛ هي مرايا نفوسنا وذواتنا، نحتفظ بها لأنفسنا، ولا نسمح لأحدٍ بالاطّلاع عليها. نعود إليها بين الحين والآخر، نتأمّل فيها جراحنا وندباتنا الداخليّة؛ فالنفس -كما الجسد- تُصاب وتُجرَح. ومن خلال هذه المرايا نكتشف مواضع الخلل في ذواتنا، ونرى ما نحاول كثيرًا إخفاءه عن الآخرين، بل وعن أنفسنا أيضًا.
وللأسف، لا تعجب بعضَ الناس صورتُهم في تلك المرايا، فيلجؤون إلى كسرها. غير أنّ الخطر لا يكمن في فعل الكسر ذاته، بل في الهروب بعده؛ فكثيرًا ما تتناثر شظايا هذه المرايا فتصيب الآخرين، بينما يكون صاحبها هو الأكثر نزفًا وتضرّرًا.
فهؤلاء يلجؤون إلى تكسير مرايا ذواتهم بعدما يعجزون عن إصلاح أنفسهم، أو لعلّهم لا يريدون التغيير أصلًا؛ فقد ألفوا عيوبهم ورضوا بها، ويريدون من الآخرين أن يتقبّلوها كما هي. وحين يعجزون عن إخفاء ما في نفوسهم، يجدون في تكسير المرايا وسيلتهم الوحيدة للتستّر على ما كشفتْه لهم من حقائق.
والذين يكسرون مراياهم، يعودون إلى صناعة مرايا جديدة تتوافق مع نفوسهم المعلولة، وقد يجعلونها أشدّ صلابةً وأكثر قدرةً على تحمّل الصدمات التي يوجّهونها إليها بأيديهم. ثم يعودون -بين الفينة والأخرى- إلى محاولة إصلاحها كلّما أصابها شرخٌ جديد أو كسرٌ آخر.
ويمكن القول إنّ تكسير المرايا ليس دائمًا صرخةَ الغاضب، بل قد يكون تنهيدةَ العارف حين يثقل عليه حمل صورته. فالغضب، في جوهره، ليس ثورةً على الآخر بقدر ما هو احتجاجُ «الأنا» حين ترى صورتها تتصدّع، وحين تكتشف أنّ المرآة لم تعد قادرةً على منحها الطمأنينة التي اعتادت النفسُ المجروحة أن تستمدّها منها.
ولعلّ الشخصية النرجسية من أكثر الشخصيات ميلًا إلى تكسير مراياها. فهي تخرج إلى الناس معتقدةً تفرّدها وتميّزها عن الآخرين، وتسعى دائمًا إلى معاملة استثنائية تؤكّد الصورة التي رسمتها لنفسها. وتحمل في داخلها تقديرًا مبالغًا فيه لأهميتها وتفوّقها وبراعتها. غير أنّها قد تُفاجأ بإخفاقٍ في تحقيق ما تريد، أو بانكشاف صورتها الحقيقية أمام الناس؛ فتعود إلى مرآتها، تحدّق طويلًا في انعكاسها، باحثةً عن أسباب تعثّرها، فلا تجد إلا حقيقةً واحدة: أنّ الخلل فيها لا في غيرها.
ولا تجد هذه الشخصية علاجًا لجرحها النفسي إلا بالهروب من تلك الحقيقة؛ فتوجّه إلى مرآتها ضربةً قاسية فتحطّمها.
غير أنّها لا تكتفي بإيذاء نفسها، بل كثيرًا ما تنثر شظايا مرآتها في محيطها، فيتأذّى من حولها من تقلّباتها وغضبها واتهاماتها. فالجروح النفسية حين تُترك بلا مواجهة صادقة قد تدفع صاحبها إلى أن يجعل الآخرين شركاء في ألمه، فتتّسع دائرة الكسر بدل أن تبدأ رحلة الإصلاح.
ولا ننسى أن وسائل التواصل الاجتماعي، وما أتاحته تقنيات الذكاء الاصطناعي من إمكانات واسعة، قد تحوّلت عند بعض الناس إلى مرايا جديدة يبحثون فيها عن ذواتهم. فيعرضون أفكارهم وأعمالهم طلبًا للتقدير والإعجاب، وربما بنوا لأنفسهم صورةً أكبر من حقيقتها. فإذا لم تجد تلك الصورة ما كانت تنتظره من قبولٍ أو استحسان، عادوا إلى مراياهم يفتّشون عن أسباب الإخفاق، فتواجههم بحقائق لم يرغبوا في رؤيتها. وعندها قد يكون أسهل عليهم أن يتّهموا الآخرين بسوء الفهم أو التقصير في التقدير، بدل أن يراجعوا أنفسهم مراجعةً صادقة.
وهكذا حال بعض الناس في بيوتهم وأعمالهم؛ فإذا أخفقوا في أداء مسؤولياتهم لم يبحثوا عن مواضع الخلل في أنفسهم، بل نسبوا الفشل إلى من حولهم. فيحمّلون الآخرين تبعات أخطائهم، ويظنّون أنّ المشكلة في العيون التي تنظر إليهم لا في الصورة التي تعكسها المرايا. وهنا يبدأ الكسر من جديد؛ إذ تُكسَر المرايا التي كشفت الحقيقة، وتتطاير شظاياها إلى الأسرة والعمل والعلاقات، فيتّسع أثر الجرح بدل أن يبدأ طريق التعافي.
ويبدو أنّ جوهر المشكلة كلّها أنّ الإنسان قد ينشغل بحماية الصورة التي رسمها لنفسه أكثر من انشغاله بإصلاح ذاته؛ فيخشى على صورته من الكسر، ولا يخشى على قلبه من العطب. يحرص على هيئته الظاهرة، وعلى الأيقونة التي يعرضها للناس، وينسى ما في داخله من جراحٍ تحتاج إلى مداواة، ونفسٍ تتوق إلى السكينة والطمأنينة.
ولعلّ المرايا الرقميّة التي تحيط بنا اليوم قد عمّقت المسافة بين الإنسان وحقيقته؛ إذ أصبح من السهل أن يصنع صورةً جذّابة عن نفسه، ومن الصعب أن يواجه ذاته كما هي.
وهكذا يبتعد شيئًا فشيئًا عن حقيقته، حتى يجد نفسه أسيرَ صورةٍ صنعها بيديه، وسجينَ انعكاسٍ ظنّه يومًا حقيقة.
وعلى الإنسان أن يتذكّر أنّ الله تعالى لم يطلب منه أن يكون صورةً كاملة، بل قلبًا صادقًا. وأنّ أقرب الطرق إلى الحقيقة لا تمرّ عبر تجميل الصورة، ولا بكسر المرآة؛ بل كسرِ الوهم، وكسرِ الادّعاء، وكسرِ النفس حين تتوهّم أنّها ملكت كلّ شيء.
فالنفوس لا تنضج دائمًا في لحظات الاكتمال، بل كثيرًا ما تنضج في لحظات التصدّع، حين يرى الإنسان هشاشته بصدق، ويتعلّم أنّ بعض الكسور لا تأتي لتُهلكه، بل لتفتح في روحه نافذةً يدخل منها النور.