سعدون مطلق السوارج
ليست التحولات الكبرى في التاريخ تلك التي تُعلن عن نفسها في لحظة مفاجئة، بل تلك التي تتراكم بصمت طويل، حتى تبلغ نقطة يصبح فيها الواقع مختلفاً عما كان عليه، دون أن يشعر كثيرون بمتى بدأ هذا التغير تحديداً. وهكذا تتبدّى اليوم ملامح تحول أعمق في بنية النظام الدولي، يتجاوز حدود الأحداث السياسية اليومية إلى إعادة صياغة مفهوم القوة ذاته.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحضور المتنامي للمملكة العربية السعودية في محيط النقاشات المرتبطة بمجموعة السبع، ذلك التكتل الذي ظل لعقود طويلة أحد أهم مراكز القرار الاقتصادي في العالم الحديث.
فالمسألة لم تعد تتعلق بمجرد دعوات للحضور أو التشاور، بل بسؤال أكثر عمقاً ودلالة: كيف وصلت القوى الاقتصادية الكبرى نفسها إلى مرحلة باتت فيها بحاجة إلى المملكة العربية السعودية؟
إن هذا السؤال لا يخص مجموعة السبع فقط، بل يفتح نافذة على التحول الأوسع في بنية الاقتصاد العالمي، وعلى إعادة توزيع عناصر التأثير بين الدول، بحيث لم تعد القوة محصورة في مركز واحد كما كان عليه العالم في منتصف القرن العشرين.
فعندما تأسست مجموعة السبع عام 1975، كان العالم يعيش ذروة النظام الصناعي الغربي، حيث كانت المصانع الثقيلة، والإنتاج الصناعي الضخم، والتفوق التكنولوجي التقليدي، تشكل جوهر القوة الاقتصادية والسياسية. وكان الاعتقاد السائد أن قيادة الاقتصاد العالمي ستظل محصورة ضمن دائرة ضيقة من الاقتصادات الصناعية الكبرى.
غير أن التاريخ، بطبيعته، لا يستقر على صورة واحدة. فخلال العقود التالية، بدأت مراكز الثقل الاقتصادي تتحرك تدريجياً، وبدأت مفاهيم القوة تتسع لتشمل عناصر لم تكن حاضرة في التصورات الأولى للنظام العالمي: الطاقة، سلاسل الإمداد، الاستقرار السياسي، الاستثمارات السيادية، والتقنيات الناشئة.
وفي قلب هذا التحول، برزت المملكة العربية السعودية باعتبارها واحدة من الدول التي نجحت في الانتقال من مفهوم القوة التقليدية إلى مفهوم القوة المركبة. وليس من المبالغة القول إن المملكة لم تكتفِ بالتكيف مع التحولات العالمية، بل أصبحت أحد عناصر تشكيلها. فهي اليوم ليست فقط قوة طاقة كبرى، بل أيضاً مركز استثماري صاعد، ومحور لوجستي يربط القارات، وفاعل رئيسي في استقرار أسواق الطاقة العالمية، ودولة تقود أحد أكثر مشاريع التحول الاقتصادي طموحاً في العالم المعاصر.
ومن هنا يمكن فهم التحول في نظرة القوى الكبرى نفسها. فما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره «دولة مؤثرة في قطاع محدد»، أصبح يُنظر إليه اليوم باعتباره «شريكاً لا يمكن تجاوز دوره في معادلات الاستقرار والنمو العالمي».
وهنا تحديداً تتجلى أهمية البعد القيادي في التجربة السعودية. فخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله قاد مرحلة اتسمت بالثبات المؤسسي والاستقرار السياسي في بيئة إقليمية ودولية معقدة ومتغيرة، مما حافظ على تماسك الدولة واستمرارية مسارها التنموي.
وفي هذا الإطار برز الدور المحوري لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، الذي قاد تحولاً استراتيجياً واسعاً أعاد تعريف موقع المملكة في الاقتصاد العالمي وفي النظام الدولي.
لقد جاءت رؤية السعودية 2030 بوصفها نقطة تحول مفصلية، لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى إعادة تشكيل بنية الدولة التنموية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وبناء نموذج تنموي جديد قائم على التنويع والابتكار والاستثمار في الإنسان.
ومع هذا التحول، بدأت ملامح مكانة جديدة للمملكة تتشكل على الساحة الدولية.
فالعالم الذي كان ينظر إلى السعودية بوصفها لاعباً محورياً في أسواق الطاقة، بدأ ينظر إليها أيضاً بوصفها دولة تمتلك مشروعاً مستقبلياً متكاملاً.
وفي عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية، أصبح الاستقرار قيمة استراتيجية بحد ذاته، لا تقل أهمية عن حجم الاقتصاد أو حجم الإنتاج. ومن هنا تتعاظم أهمية الدور السعودي في محيطه الإقليمي والدولي، باعتباره ركيزة من ركائز الاستقرار في منطقة تُعد من أهم مناطق العالم من حيث الطاقة والتجارة والممرات الحيوية.
إن استقرار الخليج العربي لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح عنصراً مباشراً في استقرار الاقتصاد العالمي نفسه، وهو ما يجعل المملكة في قلب معادلات الأمن الاقتصادي العالمي.
وفي هذا السياق يمكن فهم التحول الأعمق في العلاقة بين مجموعة السبع والعالم خارجها.
فالعالم لم يعد يُدار من خلال مركز واحد كما كان في السابق، بل أصبح يتشكل عبر مراكز متعددة للتأثير.
وفي هذا العالم متعدد الأقطاب، لم تعد مجموعة السبع قادرة على التعامل مع التحديات الكبرى بمعزل عن القوى المؤثرة خارج دائرتها التقليدية.
ومن بين هذه القوى، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة تمتلك مزيجاً نادراً من عناصر القوة: الاقتصاد، الطاقة، الموقع الجغرافي، الاستقرار السياسي، والرؤية الإستراتيجية.
ولعل الأهم من ذلك كله أن المملكة لم تعد تكتفي بدور «المتأثر» في النظام الدولي، بل أصبحت تلعب دور «المؤثر» في تشكيل بعض معادلاته.
وهنا يكمن جوهر التحول. فالمكانة الدولية لم تعد تُقاس بمدى القرب من مراكز القرار التقليدية، بل بمدى القدرة على التأثير في القرار نفسه.
ومن هذا المنظور يمكن فهم الحضور المتزايد للمملكة في النقاشات المرتبطة بمجموعة السبع، ليس كحدث بروتوكولي، بل كتعبير عن إدراك متنامٍ لدى القوى الكبرى بأن عدداً متزايداً من الملفات العالمية لم يعد ممكناً التعامل معه من دون حضور سعودي فاعل.
إنها لحظة تعكس تحولاً أعمق من السياسة نفسها؛ تحولاً في بنية القوة العالمية، فلم تعد الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات، بل بما تضيفه من استقرار، وما تخلقه من فرص، وما تساهم به في صياغة المستقبل.
وفي هذا الإطار، تتقدم المملكة العربية السعودية اليوم بوصفها واحدة من أبرز الدول التي نجحت في تحويل مواردها وإمكاناتها إلى مشروع وطني شامل يعيد تموضعها في قلب النظام الدولي المتغير.
ولهذا فإن السؤال لم يعد يتعلق بسبب دعوة المملكة إلى محيط مجموعة السبع، بل بالدلالة التي تحملها هذه الدعوة في ذاتها.
إنها دلالة تقول إن العالم لم يعد كما كان، وإن معادلات القوة لم تعد محصورة في نطاقها التقليدي، وإن المملكة العربية السعودية أصبحت إحدى الركائز التي يستند إليها جزء مهم من التوازن الدولي الجديد.
وفي نهاية المطاف، فإن ما نشهده ليس مجرد تطور في العلاقات الدولية، بل إعادة صياغة لهندسة القوة العالمية نفسها، حيث تتقدم المملكة العربية السعودية بثقة ووضوح بوصفها دولة لم تعد تكتفي بالمشاركة في المستقبل، بل تسهم في صياغته.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي