ناصر بن فريوان الشراري
يمر الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي بالغ التعقيد، تتشابك فيه جبهات القتال مع طاولات الدبلوماسية الخفية لترسم ملامح مرحلة جديدة من صراع النفوذ، حيث يتبدى القصف الإسرائيلي المستمر على الجبهة اللبنانية كحلقة مركزية في إستراتيجية مشتركة ومبطنة تهدف في عمقها إلى نصب فخ استدراج متكامل لجر إيران نحو مربع المواجهة المباشرة، وتجريدها من أوراق قوتها، من خلال تعرية قدراتها العسكرية، وإثبات هشاشة منظوماتها الدفاعية في حماية عمقها ومراكز ثقلها الاقتصادي والنفطي الحيوية، مثل منطقة معشور وغيرها من الشرايين الإستراتيجية التي بقيت طويلاً تحت أنظار الرصد والاستخبارات خلال فترات الهدوء الماضية التي لم تكن في حقيقتها إلا جولات لبناء بنك أهداف دقيق وقاتل نجح في كشف الممرات اللوجستية، وتفكيك حائط الصد الأول المتمثل في ذراعها الأساسي بالمنطقة.
إن هذا التصعيد العسكري المدروس بعناية، يمثّل الوجه الآخر لسياسة الضغط الأقصى التي يؤمن بها ترامب كأداة حتمية لفرض الشروط وصناعة الصفقات الكبرى تحت ظلال المقاتلات، حيث تهدف هذه الهندسة المشتركة إلى وضع النظام الإيراني أمام خيار صفري لا ثالث له فإما الاستمرار في مواجهة آلة حرب تكنولوجية تنتظر هذه الفرصة لتقويض مرتكزاته، وإما الهرولة نحو طاولة المفاوضات للتوقيع على اتفاقية شاملة ومختومة بالإرادة الترامبية الحازمة، وهي الاتفاقية التي لن تكتفي هذه المرة بملف التسلح النووي، بل ستطال بشكل مباشر تفكيك الأذرع الإقليمية وقص أجنحة النفوذ في لبنان والمنطقة لإنهاء حقبة كاملة من التوازنات التقليدية.
تتسارع الأحداث اليوم لتضع المنطقة أمام مخاض عسير، تتغير فيه قواعد الاشتباك بشكل دراماتيكي، وتتساقط فيه أوراق القوة التي طالما تترس خلفها الفاعلون الإقليميون، مما يجعل الأيام المقبلة حبلى بالتحولات الجيوسياسية الكبرى التي ستعيد رسم خارطة التحالفات وموازين القوى تحت وطأة ضربات عسكرية تمهد الطريق لواقع سياسي جديد، يفرض الاستسلام لشروط التفاوض الشامل وينأى بالمنطقة عن سياسات حافة الهاوية القديمة.