د. محمد الرويلي
في زمنٍ تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، صار الوصول إلى نتائج النقاشات أيسر من الوصول إلى جذورها. فبضغطة زر يعرف أيُّ أحد أن ثمة خلافًا حول قضية ما، وأن فريقًا يؤيدها وفريقًا يعارضها، لكن ما يندر حقاً هو فهم السؤال الأصلي الذي وُلد منه ذلك الخلاف. أصبحنا نعرف مواقع المعارك، ولا نعرف أسباب الحرب.
فما معنى أن نفهم الخلاف؟ أهو أن نعرف من يؤيد ومن يعارض؟ أم أن نحفظ حجج طرفٍ وردود الآخر عليه؟ أم أن ندرك المشكلة التي نشأ الخلاف أصلًا لمعالجتها، والظرف الذي جعل كل فريقٍ يرى ما يراه؟ شتّان بين أن تعرف نتيجة النقاش، وأن تفهم الطريق الذي أوصل إليه.
والمسألة هنا أعمق من نقصٍ معرفي عابر؛ إنها خللٌ في طريقة التفكير ذاتها، فمن يتلقى النتيجة دون مقدماتها يحمل المواقف بوصفها قناعات جاهزة تلقّاها دون أن يبنيها، ومن ثَمّ يعجز عن مراجعتها أو اختبارها أو معرفة متى تصلح ومتى تسقط.
والأفكار لا تنشأ من فراغ، فالفكرة في الغالب محاولةٌ لحل مشكلة قائمة أو تفسير ظاهرة غامضة، ثم تظهر مواطن قوتها وضعفها مع الوقت، فتُراجَع وتُنتقَد وتُعدَّل أو تُستبدل، أما من يدخل النقاش في مراحله المتأخرة فلا يرى إلا الانتقادات وحدها أو الدفاعات وحدها، دون أن يدرك السياق الذي أنبت الفكرة. ولهذا نجد من يهاجم أفكارًا لم يفهمها، ومن يدافع عن أفكار لم يدرس أسسها، وكأنهم دخلوا قاعة السينما في آخر عشر دقائق من الفيلم ثم حكموا على القصة كلها.
ولعل تقريب الفكرة يكون أوضح بمثالٍ يعرفه الجميع: الحفظ والتلقين. فقد قام التعليم عليهما قرونًا طويلة، وكان ذلك عين الرشد في زمنه؛ إذ كانت الكتب نادرة باهظة، والمعرفة لا تُصان إلا في الصدور، فمن يملك ذاكرة قوية يملك مكتبة متنقلة. ثم جاءت الطباعة فالإنترنت، فصارت المعلومة في متناول الجميع، وانتقلت قيمة العقل من تخزين المعرفة إلى فهمها وتحليلها. من يدخل هذا النقاش اليوم قد يسمع أن «الحفظ أسلوب فاشل»، فيرددها دون أن يسأل لماذا كانت هي الطريقة العقلانية طوال معظم تاريخ البشر، وحين لا نفهم لماذا اقتنع به العقلاء ابتداءً، نعجز عن فهم لماذا تغيّر، فننساق إلى النقيض بالحماس نفسه حتى نهمل ما يستحق أن يُحفظ.
والمفارقة الأعمق أن بعضهم لا يتبنى الفكرة، بل يتبنى نقدها، فيتحول النقد ذاته إلى عقيدة. خذ مثلاً من أمضى سنواتٍ يردد شعار «الدهون عدوّ القلب»، ثم بلغه النقد الذي يبرّئ الدهون ويوجّه الاتهام إلى السكر؛ فإذا به ينقلب إلى الضد، يحرّم كل نشوية ويردد أن «الدهون كانت كذبة»، دون أن يعرف لماذا اتُّهمت الدهون أصلًا، ولا حدود الدليل الذي برّأها. وعلى المنوال نفسه من يردد أن «فرويد مجرد دجل» دون أن يعرف أيّ مشكلة حاول التحليل النفسي حلّها، ولا أي أفكاره بقيت حيّة ولها أثر؛ ومن يهتف بأن «المدرسة تقتل الإبداع» دون أن يدرك ما الذي أنجزه التعليم الجماعي يوم نشأ، ولا الحاجة التي وُلد منها. تبنّى هؤلاء الخلاصة الجديدة تلقينًا، كما تبنّى غيرهم الموقف المقابل من قبل، وحين تسأل أحدهم عن الفرضيات الأولى، أو السياق التاريخي، أو الأدلة التي دعمت الفكرة في بداياتها، لا يجد جوابًا؛ فهو يتبنى موقفًا لا يفهم كيف نشأ، وإنما يكتفي بتكرار آخر ما انتهى إليه الجدل.
قد يقال: ومن يملك وقتًا لتتبع جذور كل نقاش يصادفه؟ والاعتراض وجيه؛ فلا أحد يبني قناعاته كلها من الصفر. لكن الفرق بين الاختصار الواعي والتقليد الأعمى يكمن في إدراك المرء أنه يقف على خلاصة، وأن وراءها فهمًا لم يبلغه بعد.
ولهذا فإن التفكير الجيد يبدأ بفهم السؤال الذي وُلد منه الجدل، قبل اختيار طرفٍ فيه، فقبل أن نقرر من أصاب ومن أخطأ، ينبغي أن نسأل: ما المشكلة التي كانت الفكرة تحاول حلها؟ وما البدائل التي كانت مطروحة في زمنها؟ وما الذي تغيّر منذ ذلك الحين حتى رجحت كفة على أخرى؟ فالسؤال الحقيقي ليس «مع أيِّ الفريقين أقف؟» بل «من أين بدأ هذا كله؟».
وحين نفعل ذلك ننتقل من استهلاك الآراء إلى فهم الأفكار، ومن ترديد المواقف إلى ممارسة التفكير، فمعرفة الخلاف ليست فهمًا له، كما أن معرفة النتيجة ليست فهمًا للطريق الذي أوصل إليها.