د. إبراهيم بن جلال فضلون
«السياسة لا تُقاس بمدى إتقان المرشح لدور البطولة، بل بقدرته على مواجهة الحقيقة عندما تسقط الأقنعة». فمنذ عقود طويلة، تحولت كلمة «الأصالة» في الحياة السياسية إلى واحدة من أكثر المفردات استهلاكاً وإساءةً في الاستخدام، فكل مُرشح يدّعي أنه «صوت الناس»، وكل حملة انتخابية تُصر على أن مرشحها «حقيقي» ومن الناس وللناس، وكل مستشار انتخابي يبحث عن الطريقة المثلى لتسويق صورة المرشح باعتباره مُختلفاً ومميزًا عن السياسيين التقليديين. لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا السعي المحموم لإثبات الأصالة قد حوّلها إلى سلعة سياسية مصنعة بعناية، حتى أصبحت في كثير من الأحيان مجرد كليشيه انتخابي فاقد للمعنى. ولعل حملة غراهام بلاتنر لمجلس الشيوخ الأمريكي لهي نموذج لفهم هذا التحول، كونها ليست مجرد حملة انتخابية لمرشح ديمقراطي في ولاية «مين»، بل تعكس تحولات أعمق في المزاج السياسي الأمريكي في ظل شعبوية البيت الأبيض الحالية، وفي الطريقة التي ينظر بها الناخبون إلى الصدق والمصداقية والهوية الشخصية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي والانقسام السياسي الحاد.
سقوط أقنعة الأحزاب التقليدية: يصبح مفهوم «الأصالة» بمثابة رد فعل نفسي واجتماعي على شعور الناخبين لأن الخطاب السياسي الرسمي فقد مصداقيته. لكن المشكلة أن هذا المفهوم لم يعد يرتبط بالحقيقة بقدر ما يرتبط بالقدرة على إقناع الجمهور بأن المرشح منهم ولهم أو يبدو طبيعياً وعفوياً، حيثُ تُشير استطلاعات الرأي الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية إلى مستويات تاريخية، وأظهرت بيانات مؤسسة «غالوب» أن نسبة الثقة بالكونغرس الأمريكي ظلت تدور حول 8% إلى 15% خلال العقد الأخير، في أدنى مستوياتها بين المؤسسات الوطنية الأمريكية، بينما زادت نسبة الناخبين المستقلين الذين لا يعرفون أنفسهم كجمهوريين أو ديمقراطيين إلى ما يقارب 43% من إجمالي الناخبين الأمريكيين، وهو رقم يعكس حالة متزايدة من النفور من النخب الحزبية التقليدية.
بلاتنر.. لن أعيش في جلباب أجدادي: هناك سؤال جوهري وهام: هل الأصالة مرتبطة بحقيقة الشخص أم بقدرة الجمهور على تصديق الرواية التي يقدمها عن نفسه؟، فمثلاً: ينتمي غراهام بلاتنر إلى خلفية اجتماعية مريحة نسبياً، فهو حفيد مصمم أثاث شهير، وتلقى تعليماً نخبوياً، لكنه اختار أن ينسلخ من عباءة أجداده ويبني صورته العامة على أساس مختلف تماماً: (جندي سابق، مزارع محار، صاحب وشوم، يستخدم لغة مباشرة، ويظهر في مقاطع مصورة وهو يقطع الحطب ويمارس تدريبات رياضية شاقة). فمن الناحية التسويقية، هي صورة نموذجية مثالية، يُسميها علماء الاتصال السياسي بـ«العلامة الشخصية السياسية»، حيث يتم بناء هوية بصرية وسلوكية متكاملة للمرشح. لكن اللافت أن هذه الإستراتيجية نجحت رغم التناقض الواضح بين خلفيته النخبوية وصورته الشعبوية.
سلوك الناخبين في أرقام: في عصر التواصل الاجتماعي، لم يعد الناخب يبحث عن شخصية مثالية، بل عن شخصية تبدو حقيقية، حتى وإن كانت مليئة بالتناقضات.
وفي الانتخابات الأمريكية الأخيرة، أظهرت دراسات متعددة أن ما يقرب من 60% من الناخبين أصبحوا يعتبرون «الصدق الشخصي» أكثر أهمية من الخبرة السياسية التقليدية، وأظهرت استطلاعات أجريت بعد انتخابات 2016 و2020 و2024 أن الناخبين أصبحوا أكثر استعداداً لتجاوز الأخطاء الشخصية للمرشحين إذا شعروا أنهم يتحدثون بطريقة مباشرة وغير مصطنعة، بخلاف الرئيس «ترمب» بالطبع، فكل خطاباته هواء، بل إن بعض الدراسات وجدت أن الفضائح السياسية لم تعد تؤدي بالضرورة إلى انهيار الدعم الشعبي كما كان يحدث سابقاً. رحلة السقوط من ووترغيت إلى ترامب: تاريخياً، بدأت موجة البحث عن الأصالة السياسية بعد فضيحة ووترغيت في سبعينيات القرن الماضي، حينما فقد الأمريكيون الثقة في النخب السياسية التقليدية، ونجح جيمي كارتر آنذاك لأنه قدم نفسه باعتباره مزارعاً بسيطاً من خارج المؤسسة السياسية، غير أن التطور الأبرز جاء مع دونالد ترمب، الذي قلب قواعد السياسة الأمريكية رأساً على عقب، فلم ينتصر بسبب انضباطه السياسي أو خبرته الحكومية، بل لأنه قدَّم نفسه بصورة غير مألوفة، على الرغم من أن وسائل الإعلام وثقت آلاف التصريحات المضللة أو غير الدقيقة خلال سنواته السياسية، التي بلغت 31,573 تصريحًا كاذبًا أو مضللًا على مدار أربع سنوات، بمتوسط بلغ 21 ادعاءً خاطئًا يوميًا، وكلما تقدمت فترته الرئاسية؛ حيث ارتفع المعدل اليومي من 6 ادعاءات في عامه الأول، ليصل إلى 39 كذبة يومياً في سنته الرئاسية الأخيرة، وعلى الرغم من كل ذلك فإن قسماً كبيراً من مؤيديه استمروا في اعتباره «الأكثر صدقاً» مقارنة بخصومه، وهُنا المفارقة التي تكشف أن الأصالة السياسية لم تعد مرتبطة بالحقيقة الموضوعية، وإنما بالشعور النفسي الذي يخلقه المرشح لدى جمهوره.
الفضائح الرقمية: أصبح الناخب أكثر اهتماماً بكيفية تعامل المرشح مع أخطائه من اهتمامه بوجود الأخطاء نفسها، ففي السابق كانت الفضيحة السياسية كفيلة بإنهاء مستقبل أي مرشح، لكن اليوم تغيَّرت المعادلة بالكامل، عندما ظهرت منشورات بلاتنر القديمة على منصة ريديت، وتضمنت تعليقات اعتبرها كثيرون مسيئة أو غير مقبولة، فتوقع المحلّلون انهيار حملته، لكن حدث العكس تماماً، وواصل الرجل تحقيق الزخم السياسي، وكأنه تحولاً عميقاً في الثقافة السياسية المعاصرة. فالأجيال الجديدة التي نشأت في بيئة رقمية تعرف جيداً أن معظم الناس يمتلكون تاريخاً إلكترونياً معقداً ومليئاً بالأخطاء.
وتشير تقارير تقنية حديثة إلى أن أكثر من 70% من مستخدمي الإنترنت أصبحوا قلقين من صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع، وهذا الواقع ينعكس مباشرة على السياسة، وبالتالي يُمكن فهم النجاح النسبي لشخصيات مثل بلاتنر أو زهران ممداني، حيث بات الجمهور يبحث عن مؤشرات الحياة الحقيقية وسط بحر من الصور المصنوعة والخطابات المعلبة.
هل انتهى عصر المرشح المثالي؟: هناك أسئلة تعكس انتقال السياسة من مرحلة «الكمال المتوقع» إلى مرحلة «الإنسانية المقبولة»، التي تُشير إليها المؤشرات الحالية إلى أن الناخبين أصبحوا أقل اهتماماً بالمثالية الأخلاقية المطلقة، وأكثر اهتماماً بالشفافية والوضوح، هذا لا يعني أن الفضائح لم تعد مهمة، بل يعني أن تأثيرها أصبح أكثر تعقيداً، فالناخب الحالي لا يسأل فقط: «هل أخطأ المرشح؟»، بل يسأل أيضاً: (هل اعترف بخطئه؟ هل تغير فعلاً؟ هل يبدو صادقاً في حديثه عن تجربته؟ هل يشبه البشر العاديين أم يبدو كمنتج سياسي مصنع؟). وما تكشفه تجربة بلاتنر ليس مجرد قصة مرشح مثير للجدل، بل أزمة أعمق في فهم السياسة الحديثة، التي أصبحت اليوم أداة تسويقية في القرن الحادي والعشرين.
فكلما زادت قدرة التكنولوجيا على صناعة الوهم، ازدادت قيمة الإحساس بالحقيقة، وكلما تراجعت ثقة المواطنين بالمؤسسات، ارتفعت أهمية الشخصية الفردية، وكلما أصبح الخطاب السياسي أكثر احترافاً، ازداد تعطش الناخبين لما يبدو عفوياً وغير مصطنع. لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول «الأصالة» نفسها إلى صناعة احترافية جديدة، وأن يصبح الأداء المتقن للعفوية بديلاً عن النزاهة والكفاءة والرؤية.
وقفة
في زمن تُصنع فيه الصور أسرع من الحقائق، يصبح أعظم اختبار للسياسي ليس أن يبدو أصيلاً، بل أن يكون كذلك عندما لا تكون الكاميرات موجودة، وعندها لن تكون الديمقراطية قد تخلصت من الكليشيهات السياسية القديمة، بل ستكون قد استبدلتها بكليشيه أكثر حداثة وأكثر خطورة.