يحيى جابر
بين ملايين الكتب التي أُلّفت عبر التاريخ، وآلاف الصحف التي تصدر يومياً، ومليارات الصفحات التي تُنشر سنوياً عبر الوسائط الرقمية، ما زالت القراءة تمثل الوسيلة الأكثر تأثيراً في بناء الإنسان وتشكيل وعيه وصناعة المعرفة، فالحضارات لا تبدأ من الثروات الطبيعية أو القوة العسكرية أو التقدم التقني وحده، بل تبدأ من فكرة، والفكرة تبدأ من معرفة، والمعرفة تبدأ من قراءة، ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تكون أول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي «اقرأ»، في دلالة عميقة على المكانة المركزية للعلم والمعرفة في بناء الإنسان والمجتمع، من خلال القراءة.
وتُعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية القراءة بأنها القدرة على فهم النصوص المكتوبة واستخدامها وتقييمها والتفاعل معها لتحقيق الأهداف الشخصية وتنمية المعارف والمشاركة الفاعلة في المجتمع، وتوضح نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب «بيزا 2022» أن القراءة ليست مجرد مهارة لغوية، بل أساس لاكتساب المعارف في مختلف المجالات العلمية والإنسانية، وقد بلغ متوسط أداء القراءة في دول المنظمة 476 نقطة، بينما حقق 74 في المئة من الطلاب المستوى الأساسي أو أعلى في مهارات القراءة، في حين بلغ أصحاب المستويات العليا من الكفاءة القرائية نحو 7 في المئة فقط من إجمالي الطلاب المشاركين (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023).
وتكشف هذه الأرقام أهمية القراءة في بناء القدرات العقلية والمعرفية، فالطالب الذي يمتلك مهارات قرائية مرتفعة يكون أكثر قدرة على فهم المعلومات وتحليلها واستيعاب المفاهيم المعقدة وحل المشكلات، وهو ما ينعكس على أدائه في مختلف المواد الدراسية، بل ينمي ذكاءه ويبلور قوة شخصيته متكئ على قدرات معرفية، كما أظهرت بيانات برنامج «بيزا» وجود ارتباط واضح بين ارتفاع الكفاءة القرائية وارتفاع مستويات التحصيل العلمي والقدرات المرتبطة بالتفكير والتحليل والتعلم المستمر، «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023».
ويبدأ أثر القراءة في مرحلة مبكرة جداً من عمر الإنسان، ففي دراسة قادتها الباحثة جيسيكا لوغان من جامعة ولاية أوهايو الأمريكية وأُعلنت نتائجها في أبريل 2019، تبين أن الأطفال الذين يُقرأ لهم خمسة كتب يومياً قبل دخول المدرسة يسمعون ما يقارب مليوناً وأربعمائة ألف كلمة إضافية مقارنة بالأطفال الذين لا يتعرضون للقراءة المنتظمة، كما أوضحت الدراسة أن الأطفال الذين يُقرأ لهم كتاب واحد يومياً فقط يكتسبون نحو 290 ألف كلمة إضافية قبل بلوغ الخامسة من العمر، وتؤكد هذه النتائج أن القراءة المبكرة تسهم في توسيع الحصيلة اللغوية وتعزيز الاستعداد للتعلم والتحصيل الدراسي لاحقاً (جامعة ولاية أوهايو، 2019).
ويحتل «القرآن الكريم» مكانة خاصة في منظومة القراءة والمعرفة لدى المسلمين، فهو الكتاب الذي افتتح رسالته الإنسانية بالأمر بالقراءة، كما تزخر آياته بالدعوة إلى التفكير والتدبر والنظر في الكون والتاريخ والإنسان، ويضم القرآن الكريم 114 سورة و6236 آية وفق العد الكوفي المعتمد في غالبية المصاحف المتداولة، وقد ارتبطت نشأة الحضارة الإسلامية بازدهار القراءة والكتابة والبحث العلمي، حيث تحولت المعرفة إلى قيمة اجتماعية وثقافية أسهمت في ظهور أجيال من العلماء والمفكرين الذين تركوا آثاراً بارزة في الطب والفلك والرياضيات واللغة وسائر العلوم.
وإذا كان القرآن الكريم يمثل المصدر الأسمى للمعرفة والهداية، فإن الكتاب ظل عبر التاريخ الرفيق الأقرب للإنسان في رحلته نحو العلم والثقافة، وقد أدرك الأدباء العرب هذه الحقيقة منذ قرون طويلة، ولخصها الشاعر أبو الطيب المتنبي في بيته الشهير:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
ولم يكن هذا الوصف مجرد صورة شعرية، بل تعبيراً عن حقيقة راسخة؛ فالكتاب يتيح للإنسان أن يطالع تجارب الأمم وخبرات العلماء والمفكرين عبر العصور، وأن يختصر سنوات طويلة من البحث والتجربة في ساعات قليلة من القراءة الواعية.
ولا تقتصر فوائد القراءة على تنمية المعرفة والثقافة، بل تمتد إلى جوانب متعددة من حياة الإنسان، فقد تابعت دراسة أجرتها جامعة ييل الأمريكية على 3635 شخصاً تجاوزت أعمارهم الخمسين عاماً، ظلت الدراسة لمدة اثني عشر عاماً، ونُشرت نتائجها عام 2016 في مجلة العلوم الاجتماعية والطب، وأظهرت أن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب أكثر من ثلاث ساعات ونصف أسبوعياً انخفضت احتمالات وفاتهم بنسبة 23 في المئة مقارنة بغير القراء، كما ارتبطت القراءة بزيادة متوسط العمر بنحو عامين تقريباً، وأشارت الدراسة إلى أن القراءة المنتظمة ترتبط بتحسين الأداء المعرفي وتنشيط العمليات الذهنية لدى الإنسان، «جامعة ييل، 2016».
وتؤدي الصحف دوراً محورياً في بناء الوعي العام وتعزيز فهم القضايا المحلية والدولية، فمنذ ظهور الصحافة الحديثة أصبحت قراءة الأخبار والتحليلات وسيلة لفهم الأحداث وربط أسبابها بنتائجها، وتساعد الصحف المهنية الموثوقة القارئ على تكوين رؤية أكثر شمولاً للواقع، كما تسهم في رفع مستوى الثقافة المدنية والسياسية وتعزيز القدرة على التمييز بين المعلومات الدقيقة والشائعات والمعلومات المضللة. أما القصص فتُعد من أهم وسائل تنمية الخيال واللغة لدى الأطفال والناشئة، فالطفل الذي ينشأ في بيئة تشجع القراءة يكتسب مفردات أوسع وقدرة أكبر على التعبير والتواصل، كما تساعده القصص على فهم القيم الإنسانية والاجتماعية من خلال التفاعل مع الشخصيات والأحداث. ولهذا تحرص كثير من الأنظمة التعليمية المتقدمة على إدراج القراءة الحرة والقصص ضمن البرامج المخصصة للأطفال في المراحل المبكرة، وبهذا الخصوص بدرت لي فكرة فيما يخص مجلة أطفال جميلة وشهرية بطريقة عصرية تفعل أيضاً عبر أفلام انميشن، تصدرها وزارة البيئة والمياه والزراعة شهرياً تستهدف النشء لتحبيبه في الزراعة والاهتمام بالبيئة وقد راسلت الوزير في ذلك، إيماناً مني بأهمية برامج الأطفال في كل اتجاه وبالذات فيما يفيد مستقبل الإنسان والدولة بإرسال رسائل ذكية متوافقة مع العمر يضيء العقل الباطن للطفل وتحببه في أمر ما بطريقة مفيدة ومسلية.
ويحتفظ الشعر كذلك بمكانة راسخة في الثقافة العربية، إذ يمثل أحد أهم مصادر الثروة اللغوية والبلاغية، فمن خلال قراءة الشعر يتعرف القارئ على جماليات اللغة وأساليب التعبير الرفيعة، كما تتعزز لديه القدرة على التذوق الأدبي وفهم المعاني والصور البلاغية، وقد ظل الشعر عبر قرون طويلة وسيلة لحفظ التاريخ والقيم والمعارف في المجتمع العربي.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير «قراء القرن الحادي والعشرين» الصادر عام 2021 إلى أن الطلاب الذين يقرؤون للمتعة يحققون نتائج أفضل في اختبارات القراءة مقارنة بأقرانهم الذين لا يمارسون القراءة الطوعية، حتى بعد احتساب الفروق الاجتماعية والاقتصادية، كما أوضح التقرير أن تنمية عادة القراءة ترتبط بارتفاع مستويات التعلم الذاتي والقدرة على اكتساب المعارف الجديدة طوال الحياة «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2021».
وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، والغزو الفكري التكنلوجي للعالم، تزداد أهمية القراءة ولا تتراجع، فالمشكلة لم تعد في ندرة المعلومات، بل في القدرة على فهمها وتحليلها وتمييز الصحيح منها من الخاطئ، ولهذا تبقى القراءة الأداة الأكثر فاعلية في بناء التفكير النقدي وتوسيع المدارك وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار، فالقرآن الكريم يفتح أبواب التدبر والحكمة، والكتب تنقل خبرات القرون، والصحف تفسر حركة العالم، والقصص تنمي الخيال، والشعر يثري اللغة والوجدان.
ولم تُبنَ الحضارات عبر التاريخ بالثروة وحدها أو بالقوة وحدها، بل بإنسان امتلك المعرفة قبل أن يمتلك أدوات القوة، ومنذ أن نزلت كلمة «اقرأ» وحتى عصر الذكاء الاصطناعي، ظلت القراءة الطريق الأقصر إلى الوعي والأداة الأهم في صناعة المعرفة، وبين مجتمع يقرأ وآخر يهجر القراءة تتحدد الفوارق في العلم والإبداع والتنمية والقدرة على صناعة المستقبل، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي في أي أمة يبدأ من غرس حب القراءة في نفوس أبنائها، لأن كل كتاب يُقرأ اليوم قد يتحول غداً إلى فكرة تبتكر، أو مشروع ينجز، أو حضارة تُبنى.
كما أن للقراءة أهمية كبيرة في علم النفس، إذ إن الراحة لساعة أو ساعتين للقراءة تشغل العقل المتخم بالهموم والمشاكل اليومية والمواعيد، والأضواء والأصوات والسوشل ميديا المرهقة، بالقراءة والاستمتاع، لتحلق بنفسك وعقلك لعالم أكثر راحة وهدوء، فتضيف لنفسك متسعا من التأمل والابتعاد عن الصخب والضجيج.
أخيراً: ستبقى القراءة المحرك الكبير لخلايا العقل والدماغ مهما تقدمت التكنولوجيا العصرية والمستقبلية، لكن لن يعي ذلك سوى من لديه قدرة ووعي كبير.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام