د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لا يكاد يخلو مجتمع من الاختلاف، فهو سنة كونية جارية، وطبيعة بشرية لا تنفك عن الناس، وقد وقع بين الأنبياء وأتباعهم، وبين العلماء والفقهاء، وبين القادة والمصلحين. غير أن الفارق بين الأمم المتحضرة وغيرها لا يكمن في وجود الخلاف أو غيابه، بل في طريقة إدارته والتعامل معه.
وقد تميزت الشريعة الإسلامية بمنهج فريد في ضبط الخلاف وتقنينه، ففرقت بين الاختلاف المشروع القائم على الاجتهاد وطلب الحق، وبين الخلاف المذموم الذي منشؤه الهوى والتعصب والانتصار للنفس. ولهذا وجدنا في تراث الأمة نماذج مضيئة لاختلاف العلماء مع بقاء المحبة والاحترام والتقدير.
لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل كثيرة، وتباينت أنظارهم في عدد من القضايا الشرعية والسياسية، ومع ذلك لم يكن الاختلاف سببًا للطعن أو التنقص أو التشكيك في النيات، بل كان كل واحد منهم يلتمس لأخيه العذر، ويوقن أن المقصود هو الوصول إلى الحق لا مجرد الانتصار للرأي.
ومن أظهر الأمثلة على ذلك ما وقع في غزوة الأحزاب عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة». ففهم فريق من الصحابة أن المقصود الحث على الإسراع، فصلوا العصر في الطريق قبل خروج وقتها، بينما فهم فريق آخر أن المقصود ظاهر النص فأخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة. فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخطِّئ أحدًا من الفريقين، فكان هذا الموقف أصلًا عظيمًا في اعتبار الاجتهاد السائغ واحترام اختلاف الفهم متى كان القصد اتباع الدليل.
ومن ذلك أيضًا ما وقع بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقد رأى عمر رضي الله عنه التريث أول الأمر، بينما رأى أبو بكر رضي الله عنه وجوب قتالهم، ثم تبين لعمر قوة حجة أبي بكر فرجع إلى رأيه. ومع هذا الخلاف الكبير في قضية تمس كيان الدولة المسلمة ووحدتها، لم يتحول الأمر إلى خصومة أو تبادل للاتهامات، بل بقيت الأخوة والاحترام والتقدير.
وسار الأئمة من بعدهم على هذا النهج الراشد، فاختلف أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رحمهم الله - في مسائل كثيرة من الفقه، حتى إن كتب الفقه مليئة بمواطن الاتفاق والاختلاف بينهم، ومع ذلك لم يكن أحد منهم يجعل الخلاف سببًا للطعن في علم الآخر أو ديانته أو قصده. بل كانوا يدركون أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وأن الحق مطلب الجميع.
وقد نقلت كتب التراجم مواقف مشرقة في هذا الباب، فمن ذلك أن الإمام أحمد كان يكثر الدعاء للإمام الشافعي ويثني عليه ويقول: «ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا دعوت للشافعي». ولم تمنع المخالفة في بعض المسائل الفقهية من حفظ الود والاعتراف بالفضل. وهكذا كان العلماء يدركون أن الاختلاف العلمي لا يوجب العداوة، وأن احترام المخالف من تمام الإنصاف.
وإذا كانت الأمة قد عرفت الخلاف عبر تاريخها الطويل، فإن ما نشهده اليوم يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الاختلاف العلمي إلى مساحات من التنازع الشخصي والتصنيف والإقصاء. فمع اتساع منصات التواصل الاجتماعي أصبح بعض الناس يتعامل مع المسائل الاجتهادية وكأنها قضايا قطعية لا تحتمل النقاش، وأصبح المخالف في الرأي عند البعض خصمًا يجب إسقاطه لا محاورًا ينبغي الاستماع إليه.
ومن المؤسف أن يتحول الخلاف أحيانًا إلى معارك لفظية تستنزف الطاقات وتفرق الصفوف، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى مزيد من التعاون والتكامل. فالخلاف في ذاته ليس أزمة، وإنما الأزمة في سوء إدارته، وفي غياب الأدب الشرعي الذي يحكم الحوار والنقاش.
إن فقه الخلاف لا يدعو إلى تمييع الحقائق ولا إلى التسوية بين الصواب والخطأ، وإنما يدعو إلى العدل والإنصاف، وإلى إعطاء كل مسألة قدرها، وإلى التفريق بين القطعيات التي لا مجال للاجتهاد فيها، وبين المسائل الظنية التي وسع فيها الخلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا. كما يدعو إلى احترام التخصص، والرجوع إلى أهل العلم، وعدم تحويل كل مسألة خلافية إلى قضية رأي عام يتنازع فيها من لا يحسن النظر فيها.
ولعل من أهم ما نحتاج إليه اليوم أن نربي الأجيال على ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر في إطار الضوابط الشرعية، وأن ندرك أن وحدة الكلمة لا تعني وحدة الآراء، وأن اجتماع القلوب قد يتحقق رغم اختلاف الاجتهادات. فكم من عالمين اختلفا في مسألة وبقي بينهما من الود والتقدير ما يعجز عنه كثير من المتفقين.
إن المجتمعات التي تتقن فقه الخلاف تكون أكثر قدرة على البناء والتقدم، لأنها تحول التنوع في الآراء إلى مصدر إثراء وقوة، بينما تتحول المجتمعات التي تجهل هذا الفقه إلى ساحات للصراع والانقسام. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة أدب السلف في الحوار، وإلى التمييز بين المخالف الذي يناقش بالدليل، وبين الخصومة التي تفسد القلوب وتشتت الجهود.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل نبحث عن الحق أم نبحث عن الانتصار لأنفسنا؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان خلافنا خلافًا راشدًا يقود إلى الخير، أم نزاعًا يورث الفرقة ويبدد الجهود. فالحق لا يعرف بكثرة الأتباع، ولا بارتفاع الأصوات، وإنما يعرف بالدليل والعدل والإنصاف، وهي القيم التي قامت عليها هذه الشريعة، وبها تحفظ المجتمعات وحدتها وتماسكه واستقراره.