منصور بن صالح العُمري
يا من سبقني إلى السبعين... ويا من بلغتها قبله...
هذا حديثي إلى نفسي، فهل حدّثتَ نفسك بمثل هذا الهمس؟ أم ما زالت تحدّثك بالتسويف، وتمنّيك بأن في العمر متّسعاً، وأن في الطريق بقية، وأن موعد التوبة الجادّة والمراجعة الصادقة لم يحن بعد؟
يا نفسُ... ها أنتِ تحملين على كتفيكِ أعواماً طويلةً أثقلها السير، حتى بلغتِ مشارفَ السبعين، كمسافرٍ أنهكه الطريقُ وطال به الترحال، ثم وقف فجأةً يلتفتُ وراءه، فإذا العمرُ الذي ظنَّه طويلاً قد انكمش كظلِّ غروب.
مضتْ سنونٌ كثيرة... بعضها في غفلةٍ لا إثمَ فيها، لكنها سرقتْ من القلب مواسمَ كان يستطيع أن يقترب فيها أكثر من الله، وبعضها زلّاتٌ تراكمت كغبارٍ كثيفٍ على صفحات الروح، حتى غدوتِ لا تتذكرين أحرف أحداثها، ولا مواضع سقوطكِ فيها، ولا كم مرةٍ عصيتِ ثم ضحكتِ، أو أخّرتِ التوبةَ وقلتِ: غداً... ثم مضى الغدُ وراء الغد حتى شاب الرأس ووهن العظم. فأيُّ قلبٍ يحتمل هذا الشعور حين يجلس وحده في آخر العمر، ويستعرض صحائفَ لو فُتحت له كاملةً لبكى دماً لا دموعاً؟ وكيف ينجو عبدٌ من ذنوبٍ نسيها، بينما أُحصيت عليه في كتابٍ: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52].
لكن... يا لرحمة الله.
ففي اللحظة التي يوشك فيها اليأس أن يبتلع القلب، تمتد يدُ اللطيف لا لتقول لك: عُد فقط، بل لتهمس في روحك المنهكة: إن ربك لا يريد إذلالك بتذكيرك بكل ما مضى، بل يريد أن يغسلك حتى كأنك ما عصيته يوماً.
أيُّ ربٍّ هذا الذي لا يكتفي بستر القبيح، بل يبدّله نوراً؟ وأيُّ رحمةٍ هذه التي تأخذ بقايا الأعمار الذابلة فتجعل منها مواسم قربٍ قد ترجح جبالاً من التقصير؟
{فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70].
ثم تأمّلي يا نفسُ... كم مرّةً كنتِ على حافة الهلاك وأنتِ لا تشعرين؟ وكم ذنبٍ لو تُركتِ معه لنزع من قلبك نور الإيمان؟ وكم طريقٍ كاد أن يبتلع روحكِ لولا أن الله صرفك عنه بلطفٍ خفي؟
{وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103].
ما أرحمه... لم يقل: كنتم بعيدين، بل كنتم على شفا حفرة؛ على حافة السقوط، حيث لا يفصل بين العبد وبين الهلاك إلا خطوة، ثم جاءت يد الرحمن تنتشله قبل أن يهوي.
فهلمي يا نفسُ... ما دام الباب مفتوحاً، وما دام في الصدر نفسٌ يتردد، وما دامت الدمعة تجد طريقها إلى العين.
قومي بين يدي الله قيامَ عبدٍ أضناه الهرب فعاد، وارفعي كفّيكِ لا بلسان المستحق، بل بذلّة الفقير الذي يعلم أنه لا نجاة له إلا بعفو سيده.
وابكي...
فربما كانت دمعةُ صدقٍ في آخر العمر تمحو ظلمات سنين طويلة، وربما سجدةٌ مرتجفةٌ في جوف الليل يفتح الله بها أبواب القبول كلها، وربما قلبٌ منكسرٌ بين يديه أحبُّ إلى الله من أعمالٍ كثيرةٍ خلت من الصدق. وإذا جاءكِ الشيطان يذكّركِ بكثرة ما فات، فقولي له: إن الذي أدعوه اليوم هو ربُّ ما مضى وربُّ ما بقي، وإن رحمته أوسع من ذنوبي، وعفوه أعظم من تقصيري.
ولا تنظري إلى قِصر ما بقي من العمر، ولكن انظري إلى عظمة من تتوبين إليه؛ فرُبّ لحظة إخلاصٍ صادقةٍ ترفع صاحبها درجاتٍ لا يبلغها بكثرة العمل الخالي من حضور القلب.
يا نفسُ... إن السبعين ليست نهاية الحكاية، بل قد تكون بداية الصدق الذي تأخر طويلاً، وبداية الرجوع الذي انتظرته الروح أعواماً.
فاستقبلي ما بقي من أيامكِ بقلبٍ جديد، وأكثرِي من الاستغفار، وألِحّي في الدعاء، وأحسني الظن بربكِ، فإن الكريم إذا فتح لعبده باب التوبة لم يفتحه ليطرده، وإنما فتحه ليقبله ويكرمه ويغفر له.
اللهم إنّا قد بلغنا من العمر ما بلغنا، وضعفت منا القوى، وتفرقت بنا الأيام، فلا تجعل آخر أعمارنا إلا خيراً، ولا آخر أعمالنا إلا صلاحاً، ولا آخر كلامنا من الدنيا إلا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
آمين.