د. حسين علي غالب بابان
على مدّ البصر، يجمع شاب غزّي في منتصف العشرينيات كميات كبيرة من العلب المعدنية وبعد أن يجمعها، يغسلها بعناية فائقة ثم يملؤها بالتراب وسمادٍ عضوي صنعه بنفسه من بقايا الطعام، وفي النهاية يغرس في كل علبة بذرة صغيرة ويضيف إليها قليلًا من الماء، ثم يراقبها حتى تنمو وتشق طريقها إلى الحياة.
وفي مكان آخر تمكن عدد من الشباب من الحصول على ماكينات خياطة يدوية قديمة، فسارعوا إلى استخدامها في إصلاح الملابس البالية والممزقة، وكذلك في ترميم وخياطة الخيام التي تعرضت للتلف لأسباب متعددة.
كما تعاني غزة منذ سنوات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي لساعات ممتدة، الأمر الذي دفع معظم السكان إلى الاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية، ورغم تعرض كثير منها للتدمير، نجحت كوادر هندسية في إعادة تشغيلها والاستفادة منها مجددًا وإن كان ذلك بكفاءة أقل بكثير من السابق. وتُستخدم هذه الألواح حاليًا بعد ربطها ببطاريات خاصة في شحن الهواتف المحمولة وتشغيل وسائل الإضاءة البسيطة.
الجدير بالذكر أيضًا أن المساعدات التي تصل بشكل متقطع في حاويات ضخمة تُنقل على قواعد وأعمدة خشبية متينة، ويُعاد استخدام هذا الخشب في صناعة صناديق لحفظ الطعام والملابس وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
يعلم الجميع حجم الدمار الهائل الذي تعرض له القطاع، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، لكن الاستسلام مرفوض لدى الصغير قبل الكبير، لذلك بدأت العائلات بالعودة إلى مساكنها وبجهود فردية وإمكانات متواضعة وأدوات يدوية بسيطة، شرعت في إزالة الأنقاض المتراكمة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأثاث والملابس والمقتنيات المختلفة، ومشاركة الآخرين بها وإصلاح ما يمكن إصلاحه، كما عملت على إعادة الحياة إلى بعض المساكن وترميم أخرى، من خلال جمع الحجارة الصالحة للبناء والتخلص من تلك التي دمرها القصف.
هكذا تمضي الحياة في قطاع غزة، حيث تتواصل عمليات إعادة التدوير والاستفادة من كل ما يمكن الاستفادة منه لتلبية احتياجات السكان المحاصرين منذ زمن طويل، إنها إرادة الحياة التي ترفض الاستسلام، وتصنع المعجزات رغم شح الإمكانات وندرتها.