د. عبدالمحسن الرحيمي
نمو غير نفطي يقترب من 5 %، بطالة تنخفض إلى نحو 6 %، وأكثر من 2.4 مليون مواطن يعملون في القطاع الخاص، هذه ليست مؤشرات أداء عابرة، بل إشارات إلى تحوّل بنيوي في الاقتصاد السعودي، حيث لم يعد النمو انعكاسًا لدورة نفطية أو توسّعا إنفاقيا مؤقتا، بل نتيجة لإعادة تصميم عميقة لمنطق الاقتصاد نفسه، ولطريقة توزيع الأدوار داخله، ولعلاقة الدولة بالسوق والمجتمع .
السؤال الذي تحاول المملكة الإجابة عنه ليس جديدًا، لكنه ظل بلا إجابة مكتملة لعقود: كيف يمكن بناء اقتصاد لا يُنتج الثروة فقط، بل يُنتج الاستقرار؟ وكيف يمكن تحويل النمو من رقمٍ في التقارير إلى حالةٍ يشعر بها الفرد في حياته اليومية؟
النماذج العالمية قدّمت إجابات جزئية، لكنها لم تحل الإشكال بالكامل. الليبرالية الغربية حرّرت الأسواق ورفعت الكفاءة، لكنها أطلقت أزمات مالية متكررة وعمّقت فجوات الدخل، حتى أصبحت الطبقة الوسطى هي الحلقة الأضعف في معادلة النمو. الصين، عبر “رأسمالية الدولة”، قادت الاقتصاد بقبضة مركزية وحققت قفزات هائلة، لكنها قيّدت مرونة السوق وراكمت مخاطر كامنة في الديون والفقاعات الاستثمارية. كوريا الجنوبية صنعت معجزة صناعية، لكنها دفعت ثمنها بتركيز اقتصادي شديد لصالح تكتلات محدودة، ما أثّر على التنافسية طويلة المدى. أما الهند، فقد حررت اقتصادها، لكنها لم تُحصّن مجتمعها، فارتفع النمو الكلي، واتسعت معه الفجوات الاجتماعية والبنيوية.
في هذا السياق، لم تختَر السعودية بين هذه النماذج… بل تجاوزتها.
التحول لم يكن في “اختيار نموذج”، بل في إعادة صياغة العلاقة بين عناصر الاقتصاد نفسها. ففي لحظة اختبار حقيقية، مع صدمة أسعار النفط في 2020، لم تتجه الدولة إلى الانكماش أو إيقاف المشاريع، كما يحدث في الاقتصادات الريعية، بل اتخذت قرارًا أكثر تعقيدًا: إعادة توجيه الإنفاق ليصبح أداة لإعادة بناء الاقتصاد، لا مجرد وسيلة للحفاظ عليه.
تم ضخ ما يتجاوز 3 تريليونات ريال في ممكنات الاقتصاد، لكن بشروط مختلفة. لم يعد المال يُمنح مقابل النشاط، بل مقابل الأثر. لم يعد كافيًا تنفيذ مشروع، بل أصبح مطلوبًا إثبات ما يخلّفه هذا المشروع من قيمة داخل الاقتصاد الوطني.
وهنا ظهرت أولى ملامح التفرد:
الريال لم يعد يُصرف… بل يُقاس أثره. فتم ربط الحوافز بمعايير دقيقة: نسبة التوطين، جودة الوظائف، استدامتها، نقل المعرفة، والمساهمة في سلاسل القيمة المحلية. هذا التحول نقل السياسة الاقتصادية من “تحفيز النمو” إلى «ضبط اتجاهه».
وتجلّى ذلك بوضوح في منظومة المحتوى المحلي، التي أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والموردين والمستثمرين. لم يعد الوصول إلى العقود الحكومية ممكنًا دون تحقيق قيمة مضافة محلية، سواء في التصنيع، أو التوظيف، أو نقل التقنية. وهنا لم تعد الدولة مجرد مشترٍ، بل أصبحت لاعبًا يعيد تشكيل السوق عبر طلبه. هذا التحول يمثل انتقالًا نوعيًا من اقتصاد يكتفي بالإنتاج إلى اقتصاد يحتفظ بقيمته داخليًا.
لكن التفرد الحقيقي لا يظهر في السياسات، بل في أثرها على الإنسان.
فانخفاض البطالة إلى 6.3 % ليس مجرد نجاح رقمي، بل جزء من تحول أعمق. فقد تراجعت نسبة الوظائف المؤقتة، وارتفعت الأجور الحقيقية، وزادت مدة بقاء الموظف في وظيفته، وهو ما يعكس انتقال الاقتصاد من توليد فرص مؤقتة إلى بناء استقرار مهني طويل الأمد .
وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد يُنتج وظائف… واقتصاد يُنتج حياة مستقرة.
هذا التحول لم يكن خاليًا من التحديات. البيروقراطية شكلت عائقًا حقيقيًا في المراحل الأولى، كما أن فجوة المهارات بين التعليم وسوق العمل كانت تهدد سرعة التقدم. لكن الاستجابة لم تكن تقليدية. تم إنشاء منصات موحدة لتسريع الإجراءات، مع صلاحيات فعلية لتجاوز التعقيدات، وتم ربط الاستثمارات الأجنبية ببرامج تدريب إلزامية، بحيث يصبح كل استثمار أداة لبناء القدرات المحلية، لا مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح.
وهنا يظهر بُعد آخر في النموذج:
الاستثمار لم يعد يُقاس بحجمه… بل بما يتركه من أثر دائم. كما أن توزيع التنمية جغرافيًا، وعدم تركّزها في مدن محددة، يعكس فهمًا بأن النمو غير المتوازن يولد اختلالات مستقبلية، وهو ما يجعل السياسات الاقتصادية مرتبطة بالتنمية المكانية، لا فقط بالقطاعات الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، لم يعد القطاع الخاص طرفًا ثانويًا، بل أصبح محركًا رئيسيًا، لكنه يعمل ضمن بيئة منظمة توازن بين الحرية والانضباط. كما أن القطاع غير الربحي لم يعد هامشًا، بل أصبح جزءًا من المعادلة الاقتصادية، يساهم في استيعاب الأثر الاجتماعي، ويكمل الأدوار التي لا يستطيع السوق أو الدولة القيام بها منفردين.
إن ما يتشكل في المملكة اليوم ليس “نموذجًا اقتصاديًا” بالمعنى التقليدي، بل طريقة مختلفة في التفكير، حيث يتم الانتقال من إدارة الاقتصاد كأرقام، إلى تصميمه كمنظومة متكاملة، يكون فيها الإنسان هو المحور، ويكون الاستقرار هو المعيار، ويكون الأثر هو النتيجة النهائية.
وفي المحصلة، فإن التجربة السعودية لا تجيب فقط عن سؤال: كيف ننمو؟ بل تعيد صياغة السؤال نفسه: ما معنى أن يكون النمو ناجحًا؟
الخلاصة
النمو قد تحققه كثير من الدول…لكن تحويله إلى استقرار… هو ما يصنع التفرد.